طبعا.. مستر "رايمان"!
أنور عبد الرحمن
يوم الأربعاء الماضي كان يوم عمل طويل وشاق. بعد 13 ساعة من العمل المتواصل
عدت إلى البيت مجهدا أشد الإجهاد. كانت الساعة التاسعة والنصف مساء عندما دق
جرس الهاتف. كانت المكالمة من محطة تليفزيون سي. إن. إن الأمريكية في
أتلانتا. عبر الهاتف, أتاني صوت نسائي رقيق يسأل بتهذيب: هل أنت السيد أنور
عبدالرحمن من "أخبار الخليج"؟.
أجبت: نعم. قالت بأدب شديد: أنا من السي. إن. إن. ونحب أن نستضيفك ونجري معك
مقابلة على الهواء في خلال 40 دقيقة. ولكن قبل هذا, وبعد نحو خمس دقائق, سوف
يتحدث المخرج إليك. وأضافت: لهذا, من فضلك ابق بجوار الهاتف لأننا سنستضيفك
كما قلت لك في خلال 40 دقيقة ولمدة خمس دقائق على الهواء مباشرة. وبعد خمس
دقائق بالضبط, رن جرس الهاتف مرة أخرى. لم يكن الصوت الذي أتاني عبر الهاتف
هذه المرة صوتا نسائيا رقيقا, وإنما صوت رجالي أجش يتحدث صاحبه بلكنة أمريكية
جنوبية. ودار الحوار التالي: هل أنت السيد رايمان (يقصد عبدالرحمن) من
البحرين؟. أجبت: نعم.. هل من خدمة أؤديها لك؟ أجاب أنا مخرج بالسي. إن. إن,
ونريد ان نجري مقابلة معك؟ قلت: بالتأكيد. ما الذي تريدني أن أتحدث عنه؟ قال:
سوف نسألك في وقت لاحق على الهواء عن المظاهرات التي تندلع في البحرين, وهل
هي أمر طبيعي؟ ولكن أريد أن أعرف ما هي آراؤك التي سوف تطرحها في هذا الخصوص؟
قلت: بالتأكيد, انك تعلم تمام العلم يا سيدي أن إسرائيل تنتهك كل القيم
والمعايير الإنسانية بما تفعله في الأراضي المحتلة, وأن الولايات المتحدة
الأمريكية لا تفعل شيئا لوقف ما ترتكبه من مذابح. (أرجو أن يلاحظ القارىء
أنني كنت أنتقي كلماتي بعناية شديدة كي لا أهدر هذه الفرصة لإيصال رأينا إلى
الشعب الأمريكي والعالم مع علمي التام بأن السي. إن. إن. تتردد في قبول أي
انتقادات لأمريكا). فجأة تغيرت لهجة المخرج تماما, وقال على الفور: طبعا..
طبعا.. مستر رايمان.. نحن لدينا الآن رقم هاتفك.. وسوف نتصل بك في المستقبل.
ولأنني لم أعرف ما الذي يعنيه بالضبط بكلمة "المستقبل", سألته: هل أفهم من
هذا أنه لن تكون هناك مقابلة الليلة؟. أجاب بشكل حاسم: لا. انتهت المكالمة
عند هذا الحد. وبقيت أفكر في مغزى ما حدث. ان أمريكا تتشدق صباح مساء بشعارات
الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير. ولكن عندما يأتي الأمر إلى انتقادات مخففة
مثل التي عبرت عنها, لا يترددون في رفضها فورا, ولا يريدون سماعها أصلا. من
الغريب أيضا أن يحرص المخرج التليفزيوني على أن يعرف مسبقا ما الذي سوف أقوله
في المقابلة بالضبط. بحكم خبرتي, هذا أمر لا يحدث اطلاقا مع أغلب المحطات
التليفزيونية الدولية حيث يدور الحوار مباشرة على الهواء دون رقابة مسبقة. لو
أن الرئيس الأمريكي الثالث توماس جيفرسون عرف بهذا الذي حدث, فلسوف يتقلب
غضبا وحسرة وألما في قبره. فهو الذي قال: إذا كان علي أن أختار بين حكومة
بدون صحافة, أو بين صحافة بدون حكومة, فلن أتردد في تفضيل الاختيار الثاني..