صحا من غفوته وهو يبتهل إلى الله أن يكون هذا كابوساً مزعجاً . .
رفع رأسه ليستكشف المكان الذي يجلس به . .
ظن أنه في سيارة تركي ، كاد يشك في صحة ظنه
لولا أنه رأى الخرائط و مستلزمات الرحلات في المقعدين الخلفيين . .
نفض رأسه حتى ينثر الكابوس بعيداً عنه . .
رأى تركي يحادث بعض الأشخاص ذوي زي الحربي ،
كانوا كما يبدو يصرخون عليه و هم يشيرون إلى قصر الشاطئ الكبير العائد لأسرة تركي . .
ترجل من السيارة ليرى ما الخطب . ؟ !
أثار عجبه السيارات العسكرية المصطفة في مواقف القصر الشاطئي . !
وصل إلى تركي و أرخى أذنه ليسمع ما يقولون . .
كان أحد الضباط يصرخ عليه و يقول . :
- هذا ملكٌ للدولة تم التنازل عنه من قبل صاحبه ، و أن كنت تعارض هذا الشيء أنضم إلينا !!
ثم لا أرى أنك مريض ، هل هربت من الجيش و أنت تدعي المرض . !
تجهمت وجههم بشكل مخيف . .
تراجع تركي بجبن إلى السيارة ف لحق به عبد الله ،
أغلق الباب ثم انطلق بالسيارة و سارا على الطريق . .
قال تركي بصوت مسئول . :
_ أحسن الله عزائك . .
فغر عبد الله فاه متفاجئاً وهو يستعيد ذكريات ذاك الصباح الرمادي . !
أضاف تركي . :
- سنتجه إلى كوخي الصغير ، لا أظن أنهم نالوه . .
فتح جهازه الإلكتروني ليرى موقع الكوخ على الخارطة الإلكتروني . .
بحث عنه و بحث ، لكنه لم يجده . !
ألتفت بوجه مرعوب إلى عبد الله و قال . :
- هل تعرف أين ذلك الكوخ . ! ؟
لم ينبس ببنت شفة بل اكتفى بطرح أمطار ملحية من غيمتين سوداوين تحدقان فيما خلف ذلك الزجاج . .
|||
حل المساء و سحبت الشمس آخر خيوطها . .
وصلت السيارة ذات الحوض الخارجي إلى المستشفى . .
ترجلت هديل من مقعد السيارة منطلقةً بأقصى سرعتها إلى المستشفى
تستدعي طاقم تمريض أو أي أحد لجلب سرير ل آمال . .
ترجل مُحسن من السيارة و أشار إلى أخيه ذو الأربعة عشر عاماً ،
أن يقود سيارة هؤلاء النسوة إلى منزله خاصةً بعد أن أصبح منزلهم الكبير ملجأ لمنكوبيّ العاصمة . .
ربما لحسن حظ هذه العائلة أنه كان يقوم بنقل الوقود ليملأ به سيارة أخيه المركونة بجانب المنزل . .
استطاع بلمحة أن يعرف بأن تلك الفتاة التي جلست بجانبه ،
لم تنم نومً هنيئاً منذ أيام و لم تضع في فمها طعاماً منذ مدة طويلة . .
كانت شاردة الذهن طوال الوقت و تفرك الجزء الظاهر من عصبةٍ لُف بها رأسها . .
أُحضر السرير و سارع الطاقم بجلبه ، ليقلوا به الفتاة الحامل إلى داخل المستشفى . .
دخل الجميع بينما بقي هو ،
بقى يتأمل ذلك البناء الذي حفظ حجراته و حفظ مرضاه المداومين على زيارته كما حفظوه . .
كان يود أن يصبح طبيباً بدلاً من أن يكون مريضاً بلا حول و لا قوة . !
لكن شاء الله . !
دخل وهو مقتنع بأن هذه هي إرادة الله . .
اتجه إلى قسم النساء و الولادة ليرى ما الذي حصل معهم . .
كانت والدة الفتاة الحامل قد دلفت مع ابنتها إلى حجرة الولادة
بينما بقت الفتاة المتعبة تنتظر على كراسي الانتظار . .
تسند وجهها الليموني إلى يدها الواهنة . .
و يسقط رأسها بين حين و آخر غافياً ثم تستيقظ بسرعة تلتفت يميناً و شمالاً ،
دون أن تنتبه لجلوسه أمام الكرسي المقابل لها . .
شعر بالشفقة عليها و ودّ لو ارتاحت قليلاً ،
أسقطت رأسها أخيراً لتغفو دون مقاومة . .
عم السكون و لم يجد شيئاً ليقطع به هذا السكون ،
فكر عما تفعله والدته الآن و من المؤكد أنها تحكي لهم
عن قصة حصولهم على هذا القصر و بكل فخر . .
قطع تفكيره سماعه لصياح طفل ،
ابتسم ابتسامة واسعة فرحة ( فالحياة مستمرة رغم أنفها ). .
انتبه إلى الفتاة التي استيقظت على صياح الطفل ،
أدارت بصرها حول المكان بلا استيعاب توقف بصرها لولهة عليه ثم على حجرة الولادة . .
قامت على أمشاط أقدامها مسرعةً إلى باب الحجرة . .
ظهرت والدتها وهي تحمل الطفل قائلةً بفرح لأبنتها . :
- إنه صبي . ! إنه عبد السلام . !
ابتسمت الفتاة بفرح متعب ثم قالت وهي تداعب الوليد بأنملة أصبعها . :
- كيف حال آمال . ؟
- إنها بخير و الحمد لله ، لكنها ستبيت الليلة هنا . .
سكتت الأم للحظة تأملت بها وجه ابنتها ثم أضافت . :
- اذهبي إلى المنزل لترتاحي و سألحق بكِ غداً . .
ابتسمت هديل بسخرية و قالت . :
- أي منزل تتحدثين عنه . ؟
هبّ محسن إليهما و قال متدخلاً . :
- منزلي ، يمكنكم المبيت فيه كما أن أفراد عائلتكم المتبقية قد ذهبت إلى هناك . .
هزت هديل برأسها نافيةً تلك الفكرة . .
و قالت . :
- لن أذهب إلى هناك . !
ردت والدتها . :
- لكن يجب أن . .
قطع حديثهم خروج الممرضة التي تناولت عبد السلام من يديّ أم هديل و قالت . :
- إنه يحتاج لبعض الفحوصات . .
ألتفتت إلى أم هديل ثم أضافت . :
- أبنتك تحتاج إليكِ . .
دخلت والدتها و تركتها مع ذلك الشاب الغريب عنها . .
قال لها مستفسراً . :
- هل نذهب . ؟
تجاهلت هديل سؤاله و اكتفت بالجلوس على كراسي الانتظار مغمضةً عينيها تنشد الراحة . .
جلس على الكرسي المقابل لها يتأمل ملامحها المجهدة . .
اقترب منها و قال . :
- عذراً . .
فتحت عينيها بصعوبة و قالت . :
- نعم . !
أشار بيده إلى إحدى الممرات . :
- توجد هناك حجرة للمرافقين يمكنكِ أن ترتاحي بداخلها . .
قامت وهي تحاول صلب جسمها ، تبعت خطواته حتى دخلت الحجرة التي أشار عليها . .
قالت قبل أن تقفل الباب خلفها . :
- أخبر والدتي بأني أرتاح هنا . !
أغلقت الباب ثم قفلته قبل إجابته . .
أرخت حجابها ثم نامت على السرير دون أن تعير انتباهاً لما يوجد بداخل الحجرة . .
/
.
.