_6_
@@ الجزء السادس @@
( المطر يهطل )
/
.
.
انطلقت بنا هديل بعد أن نطقت بوعد لأظن بأنها ستستطيع الإيفاء به . !
هذا الشعور كان يساورنا جميعاً ،
و نحن نراقبُ أشعة الشمس المتوهجة حتى تعبت من ملاحقتنا ف برد وهجها و ابتعدت إلى الغرب
لتغادرنا هي الأخرى كما غادرنا الأمن و السلام و الكرامة . .
تصدرتنا هديل بالمسير ، تجابه ذلك الفضاء الواسع . .
و يديها متعلقتين بأسفل الخيمتين تقبض عليه بقوة حتى لا تفلتان من بين يديها . .
رغم أنني مازلت أحمل عليها في قلبي ، لصراخها في وجه أمي و استقبالها الرائع لنا . !!
إلا أنني لم أستطع لومها بعدما غادر أبها و تركهم لتعبث بهم الرياح كيف تشاء . .
التقطت نفساً ساخراً من هذه الدنيا . !
فكل الرجال سواء أن أكرمتهم خذلوك و أن تجاهلتهم لحقوا بكِ ،
و هكذا دواليك . !
أدرت بصري حول السماء النارية و قرصها المتوهج يلقي رمقه الأخير . .
ستكون جميلة جداً أن كنت في وضع يختلف عن هذا . .
سيكون جابر حينها يتأمل في السماء و يسرد فلسفته
عن كيفية تكون الضوء أو عن جمال هذه السماء . !
بينما سيكون والدي يداعب أخي محمد و يضحك على أي نكتة يلقيها أحد الصغار
رغم أنه قد سمعها للمرة المليون . !
لكن حالي و ما ألت إليه . .
على هامش الحياة ، بقلبٍ يتلو التعازي على نفسه لأنه ينتظر أن تحل فاجعةً ما . !
يحاول أن يهيئ نفسه ليرتشف الألم وهو متلذذ به . !
أسير معهم . ،
و قلبي يهيئ نفسه لموت أحدنا أو ضياعنا أو أن ينزل جيش من السماء ليلتقطنا ،
و نصبح أسراه يلهو بنا كيف يشاء . !
كنت انتظر تلك اللحظة فقط . .
أخطو بعقلي الشارد الذي يدور حول فلك
( كيف سيخلي ذاكرته ممن يحبهم و يرتب أموره مع وضعه الجديد ) . .
- هناء , أتريدين أن تشربي ماءً . ؟
جرت لحظة حتى انتبه عقلي إليها و توقف عن التفكير . .
ثم تناولتها منها و رشفة عدة رشفات متتابعة و بصرها لا يزال يراقبني . !
انتهيتُ ثم ناولتها لها و قلت مبررة و أنا أزيل عن فمي قطرات الماء . :
- ربما تكون هذه المرة الأخيرة التي أرشف بها ماء صافي . .
وجهتْ نظرة استعجاب إليّ ثم ناولت الماء إلى أحمد . .
رشفه هو الآخر حتى أنهاه عن بكرة أبيه . .
ثم أعادها إلى ريناد . .
أطلت بها ريناد بعينين جاحظتين و قالت . :
- ما هذا . . لقد أنهيتها . !
رد أحمد وهو يمسح قطرات العرق الملتصقة بجبينه . :
- أنني متعب . . أننا نسير في هذه الخلاء لمدة ساعة و لم يظهر لنا أي شيء . !
ردت بغضب . :
- كلنا متعبون . . و لكن هذا لا يعني أن تشرب حتى ينتهي الماء . !
توقفت ريناد عن السير و ملامح الغضب تجعد وجهها . .
توقفت هديل فتوقفنا جميعنا ،
التفت هديل إلينا بوجه ك لون الليمون الأصفر و شفتين جافتين و قالت . :
- ماذا هناك . ! ؟
جالت ببصرها علينا على بسمة الصابرة و أحمد المتعب و ريناد الغاضبة و أنا اليائسة . .
أنزلت بصرها إلى آمال التي بلغ بها التعب حتى امتنعت عن الحديث و أكتفت بهمسات متعبة . .
أنزلت هديل طرفها فأنزلناه معها . .
اقتربت من آمال ثم جلست بجانبها بعجز و قالت هي تحاول البحث بعينيها عن قدر ألم آمال . :
- هل أنتِ بخير . ؟
كيف تحسين . ؟
كانت تحادثها و كأنها في عالم آخر . . و كأنها ليست في وسط العراء . ! . :
- سنصل للطبيب لا تقلقي . .
لا أعلم أن كانت هديل تهذي أو في عقلها . .
إلا أن حالها لم يكن طبيعياً و قد تناقلت العيون نظرات القلق ثم وجهتها إلى هديل . .
عادت هديل إلى وضعيتها السابقة و شحذت قواها لرفع البساط لكن قواها خارت ،
استدارات إلينا بابتسامة تهتز بتعب . .
انعكس ضوءٌ على وجوهنا . .
التفتنا إلى مصدر الضوء و مصدر سماع صوت تكسر الصخور الصغيرة تحت عجلات السيارة . .
أشعت أضواء سيارة على أعيننا فأعمتنا عن رؤية صاحبها . .
أغمضتُ عيني بشدة لأحميها من هذا الضوء الساطع . .
توقفت السيارة ثم ترجل منها شخصان هبّا إلينا بسرعة . !
بينما ظهرت خلفهما سيدة بطرف حجابها المرفرف تركض إلينا . .
وصل الرجلان إلينا بأنفاس لاهثة و هما ينظران بفزع إلى آمال . .
اتضحت ملامح تلك السيدة تحت أشعة الشمس الآفلة . .
كانت خالتي " والدة آمال "
ابتسمتُ أخيراً ابتسامة لامعة بين هذه الظلمة . .
هرعتْ إلى آمال ثم جلست بجانبها . .
- هل أنتِ بخير . ؟
أومأت آمال بضعف بأنها بخير . .
ألقيت نظره على هديل حتى أرى وجهها وهو يستنير بابتسامة . .
تفاجئت بمظهرها . !
تعدا ( الشابين و خالتي ) هديل ، وهي مازالت ساكنه سكون الأشباح . .
ابعد أحد الشابين هديل حتى يرفع البساط و يذهب بآمال إلى السيارة . .
التفت هديل بعينين منفرجتين و فم جامد و وجهها قد توشح باللون الأصفر . .
شخص بصري عليها ، كانت شبحاً بحق . !
لم تحرك ساكناً بل كانت تراقب ب عقل لا يستوعب الكثير . .
حمل الشابين آمال و اتجها بها إلى السيارة بينما لحقت خالتي بهما
فتحت الباب ثم ساعدتهما في وضع آمال في السيارة . .
عادت إلينا مهرولة و يمشي خلفها أحد الشابين و بيده علبة ماء بها سائل لم استطع تمييز لونه بسبب طغيان لون الشفق الأحمر . .
توقفت خالتي و قالت لنا من بين أنفاسها اللاهثة ، أثناء وصول الشاب إلينا . :
- معه بعض الوقود س يفي بإيصال السيارة إلى المدينة . .
التقطت نفساً ثم نادت وهي تلتفت إلى موقع هديل . :
- هديل . . هديل . .
التفتنا إلى موقعها السابق فوجدنها قد غادرته جاريةً إلى تلك السيارة . .
|||