وضعتُ الأطباق المتسخة في المطبخ ، رأيتُ خالتي تغسل الأطباق . .
خجلت من نفسي فكيف تغسل خالتي الأطباق بينما أنا هنا . :
- أذهبي و ارتاحي سأكمل غسلها . .
شرعتُ في غسل الأطباق بعد أن غادرت خالتي و حملت معها رضاعة حليب . .
دخلت آمال وهي تجر رجليها بصعوبة ثم جلست على الكرسي بتعب . .
ردت على نظرتي المشفقة و قالت مازحة . :
- سيأتي يوم و تتزوجين و تحملين و سأشفق عليكِ . .
- و ستكونين أنتِ من يغسل الأطباق و أنا أقوم بالتمدد فقط . . مثلكِ تماماً . .
ابتسمت لها بعد أن غسلت يدي و أغلقت صنبور الماء . .
صاح أبريق الماء المغلي خلفي . .
رفعته عن النار بعد أن أطفئتها، ثم سكبت الماء في كوبين و وضعت القليل من السكر . .
أغمست كيس الشاي في الكوبين ثم وضعتهما على طاولة المطبخ بجانب آمال . .
جلست على الكرسي بينما مددت يدي لآخذ ملعقة لإذابة السكر في الشاي . .
أدرت الملعقة حتى صنعت زوبعة في كأس الشاي . .
قالت وهي تتأوه . :
- ألا يمكنكِ أن تأجلي الرحلة حتى ألد . ؟
مضت برهة أفكر بها في ما قالته تلك الممرضة . .
- أحس هذه الأيام بالتعب يزداد و الطلق أصبح يأتيني بين فترات ليست ببعيدة عن بعضها أخشى أن ألد قبل أن نصل إلى المنزل . . ما رأيكِ لو مكثنا أسبوعاً ثم . .
قلت و أنا أقاطعها بحزم . .
- لا . !
- لكن . .
قمت من الكرسي منهية النقاش . .
ثم خرجت إلى الساحة و كوب الشاي بيدي . .
ارتشفت منه رشفة . .
لو كنت أعلم ما يخبئه الغد لمكثنا هنا إلى أن تلدي . .
وضعت كوب الشاي فوق سطح السيارة الأمامي بحيث لا ينزلق . .
فتحت باب السيارة . .
تأكدت من وجود الكتب التي ابتعتها ، تصفحتها بسرعة دون أن أنوي قرأتها . .
وضعتها أمام عجلة القيادة و اخترت إحداها لأتصفحها بينما أشرب الشاي . .
مددت يدي لأرشف رشفةً من الكوب ، فلم أعانق سوى الهواء . .
نسيت بأنه ليس بداخل السيارة . .
تركت الكتاب جانباً و خرجت من السيارة و أخذت كوب الشاي من فوق سطحها . .
رشفة رشفةً أخبرتني ببرود الشاي . .
عدت إلى الداخل و وضعت كوب الشاي فوق طاولة تتوسط المدخل . .
ألتفت إلى الباب و الذي تقف أمامه السيارة ، شعرت بالعجز . .
فكيف سيمكنني أن احشر هذه المجموعة من البشر بداخل سيارة جيب . !
و احد هؤلاء البشر حامل . !
نفضت عن رأسي هذه الأفكار البائسة و ذهبت إلى الصالة لأحضر صندوق الإسعافات الأولية . .
خرجت بسمة من الحجرة و الحيرة تكسو معالمها . .
سألتها و أنا اتجه بصندوق الإسعافات الأولية إلى الخارج . :
- ما بكِ . ؟
تبعتني حائرة . :
- لا أدري . . ريناد تخفي عني شيئاً . . و هي لا تريد أن تخبرني بذلك شيء حتى ألح عليها في السؤال . . عندها ستخبرني . .
وقد نامت الآن بعد رحلة متعبة أمضتها من مطار المدينة المجاورة إلى العاصمة . .
وضعتُ الصندوق على الأرض و فتحت الباب الخلفي للسيارة . .
لم أتفاجئ بالأكياس المبعثرة هنا و هناك . .
أخرجت جميع الأكياس من السيارة و بسمة تساعدني . .
قلت بينما أدخل الصندوق و أرتب الأغراض . .
- و لما لا تلحّي عليها . ؟
- لأنني لا أريدها أن تعتاد على هذه الطريقة في استخراج المعلومات . .
اتجهت إلى الداخل بعد أن احترت في كيفية ترتيب هذه الأشياء . .
ففكرت في وضعها في حقائب . .
- أنتِ تعلمين بأن ريناد عنيدة و ستفعل ما برأسها . .
- و هذا ما يتعبني حقاً . !
توجهت على حجرتي في الطابق العلوي . .
بحثت في خزانتي عن حقيبة مناسبة لحفظ الأطعمة و الأدوية . .
وجدت حقيبتين مناسبتين لذلك , أخذتهما و نزلت إلى الأسفل و من ثم إلى الساحة . .
ناولت بسمة التي ترتشف من كوب شاي عدة رشفات وهي تتأمل في المكان . .
- هلّا وضعتي بها الأطعمة و دعي الأخرى سأضع بها الباقي . .
تركت كوب الشاي جانباً فوق الدرج . .
اتجهت إلى السيارة المحجوبة بغطاء الأزرق . .
- ما هذه السيارة المحجوبة بالغطاء الأزرق . ؟
سألتني بسمة بينما كنت أتجه إلى سيارة أخي . .
أجبتها حينما أزلت الغطاء عن السيارة ذات الزجاج المكسور منذ خمس سنوات . .
- هذه سيارة أخي حسام . .
- حسام . !
أردفت و زفرة خرجت من رئتي . :
- رحمه الله . .
سكتت بسمة و لم تقل شيئاً سوى أنها أضافت . :
- رحمة الله . .
أخرجت المفاتيح أبحث بينها عن مفتاح سيارته . .
أدخلته في ثقب المفتاح غير متأكدة من إمكانية فتح السيارة . .
أخذت أدير المفتاح يميناً و شمالاً و لم يفتح . .
ضاعفت قوتي . . سمعت صوت ما . . صوتٌ كصوت تحرك عقارب الساعة . .
حاولت إخراج المفتاح . . لم يخرج . !
جذبته بقوة و لم يخرج . . أيضاً . .
زاد غضبي و أخذت أديرة بعنف يميناً و شمالاً حتى انكسر . !
رميت سلسلة المفاتيح على الأرض بعنف ، يجب أن أخرج بعض الأشياء المهمة من هناك . !
شعرت باقتراب بسمة مني . .
توجهت إلى مقدمة السيارة و جلست فوق مقدمة السيارة بعجز و أنا أتأمل ذلك الزجاج المشعّر ف بدفعة واحدة يمكنك تحطيمه تماماً . .
راقت لي الفكرة كثيراً . .
حاولت الوقوف متزنة فوق مقدمة السيارة . .
- ماذا تفعلين . ! ؟
أجبتها و أنا منغمسةً في الذكريات و في محاولاتي لتحطيم الزجاج . .
- أحاول تحطيم هذا الزجاج . . منذ خمس سنوات . . كان أخي حسام أبن أبي المفضل . . لا أدري ما السبب لكنه كان كذلك . . و قد توفي بعد أن دعت أمي عليه بقليل لأنه لم يسمع نصيحتها و ذهب في رحلة خلوية مع أصدقائه . . لم يسمع أحد ما كانت تدعي به . .لكن أبي كان مصراً أن دعوتها هي سبب موته . . و لكي يعذبها أخذ سيارته ووضعها هنا لتراها أمي كل يوم ، لتبكي أمي عليه كل يوم . . بعدها تفككت العائلة و أصبحت كما ترين . !
تحطم الزجاج و تحطمت معه كل ذكريات هديل السعيدة . .
لم أستطيع رؤية أي شيء أمامي ، حيث حجبت الدموع عيني و لم أستطع رؤية الزجاج المتحطم جيداً . .
أمسكت بسمة بقدمي و هي تناجيني . :
- أنزلي أرجوكِ . .
دخلت إلى السيارة من خلال فتحة الزجاج الأمامي دون أن أراعي شذرات الزجاج الناشزة هنا و هناك . .
لم تنل مني أي منها . .
جلست على المقعد المجاور للسائق و أخذت ابحث عن أي شيء يساعدني في محنتي . .
فتحت الدرج المواجه لي فوجدت كشاف صغير و شيءٌ مستطيل يحتوي على سكين و عدة أشياء لا أدري ما فائدتها . !
اتجهت إلى المقاعد الخلفية . .
التقيت بمعطفه الذي بلا كمين و الذي كان يستخدمه حسام في وضع أهم أدوات الرحلات في جيوبه . .
أخذته و عانقته بدموع ثم ارتديته . .
ولجت إلى مؤخرة السيارة الصغيرة ، بحثت بين الأشياء المبعثرة عن شيء يفيدني . .
نظرت خلف الزجاج من بين ذرات الغبار ، وجدت بسمة تغادرني إلى الحقيبة و ترتب الحاجات كما قلت لها . .
تابعت بحثي فالمشوار طويل . .
وجدت خيمة بسيطة ملفوفة فوق بعضها البعض ثم وجدت خيمة أخرى . .
قبضت عليهما بسرعة ثم انطلقت ل ذات الفتحة بزجاجها المتهشم و الناشز هنا و هناك . .
خرجت مسرعةً دون أن أعير انتباهاً إلى ذلك الزجاج . .
وصلت إلى مقدمة السيارة . .
جلست على سطحها و أنا أحس بألم في رأسي . .
أصبحت يدي رخوة و لم استطع السيطرة عليها كانت كالأسفنج المبتل . .
فسقطت تلك الخيام الملفوفة على الأرض نزلت من السيارة حتى التقطها رغماً عن ألم رأسي . .
استندت على سطح السيارة و مسكت الخيمتين بوهن . .
سقطت قطرة دم كسقوط قطرة مطر . .
وقفت و أنا أحاول صلب طولي بالاستعانة بسطح السيارة الزلق . .
رأيت قطرات دم تزيد من لمعان إحدى الزجاجات المتشبثة بإطار الزجاج الأمامي ،
و تابعت خطواتها الحمراء إلى أن وصلت إلى يدي . .
تحسست بداية رأسي بيدي الأسفنجية . .
أخذت الدنيا تدور من حولي ، و لم أستطع متابعة دورانها أكثر فسقطت على الأرض . .
كان آخر ما سمعته صوت بسمة و هي تصرخ . :
- هديل . .
و قبل أن تغلق الدنيا عليّ في مكان مظلم ، أدركت أن كل ما أقوم به هو معاندة مع القدر . .
استسلمت و جعلت الدنيا تغلق علي و على رأسي بألمه الحاد . .
.
.
خرج لي الضوء رويداً رويدا و أناس متحلقون حولي . .
رمشت بعيني لتتضح الرؤيا لدي ، رأيت بيد أحدهم حية سوداء ذات رأس لامع . .
شعرت بأيدهم و هي تمسك برأسي و بتلك الحية و هي تلتهمي جلدة جبهتي . .
و عدت إلى الظلام مرةً أخرى . .
.
.