@@ الجزء الرابع @@
( كابوس )
صوت أزيز المنشار زاد من عدم ارتياحي و قلقي . .
أخذت أتأمل في الجبيرة و هي تجزر من وسطها ، و كأن ساقي تجزر بدلاً عنها . .
ظللت أحملق في المنشار خوفاً من أن يجز لحمي . .
توقف صوت المنشار عن الأزيز . . ارتحتُ قليلاً . .
ثم عادت دوامة الهلع تبتلعني . . حينما احضروا مقصاً كبيراً ليقصوا رجلي . .
أقصد القطن المحيط لقدمي . .
ابتسمت الممرضة و هي ترى قسمات وجهي الخائفة . .
- يمكنك الآن تحريكها . .
ما أن قالت الممرضة هذا . . حتى بدأت بتحسس قدمي بفرح . .
فقد أصبحتْ حرة أخيراً بعد أن كانت تحمل على عتقها جبيرة صلبة ثقيلة . .
حركتها بصعوبة طفيفة . .
تحسست ساقي و أخذت أدلكها . .
ابتسمت الممرضة بعمق و قالت . :
- حاولي الوقوف عليها . .
ارتفع حاجبي و ابتسمت شفاهي ببهجة . :
- أحقاً يمكنني الوقوف عليها . !
ابتسمتْ بلطف . :
- بالطبع . .
تنحيت عن السرير بسلاسة ثم حاولت الوقوف و يديّ متشبثة بحواجز السرير . .
حركت قدمي على الأمام و الخلف بسعادة . . شعرت و كأني ولدتُ من جديد . .
فيمكنني الآن العودة للدراسة في الجامعة و التخلص من تلك الأريكة الكئيبة . .
ألتفت إلى الممرضة لأشكرها . .
فوجدتُ بصرها شارد يحدق في آمال المتعبة و المسترخية على إحدى الكراسي . .
فقلت لأوضح . :
- أصرت أختي على القدوم معي . .
ابتسمت لها . . أدارت بصرها إلي لبرهة ثم عادت به إليها و قالت . :
- تبدو في الشهور الأخيرة . .
اتجهت إلى السرير و جلست عليه حتى ألبس حذائي الآخر القاطن في الكيس . .
و قلت . :
- أنها في الشهر التاسع . . أسبوعان و ستدخل المنطقة الحرجة . .
ابتسمت باضطراب . . لا استطيع تخيل صعوبة الولادة . .
أتت إليّ بغتة و قالت بجدية فاجأتني . :
- يجب أن تتعلمي كيفية الولادة المنزلية . .
- الولادة المنزلية . !
فكرت للحظات بأن أقوم بتوليد آمال . . هذا مستحيل . !
لن أتحمل رؤية الدماء . !
- يجب عليك ذلك . . الأوضاع تزداد خطورة و جدية . .
بهتُ فجأة من جديتها في الموضوع . . ظننت أنها تمزح . !
- ماذا تعنين بأنها تزداد خطورة و جدية . ؟ !
أخذت تجمع القطن و بقايا الجبيرة و تلقي نظرة قلقة على آمال بين الحين و الآخر . .
و هي تقول . :
- لقد بدأ الوزراء و من لهم صلة بالملك بالتحصن في مواقعهم . .
- ماذا تعنين . ! ؟
- كما أن الجيش بدأ بالمناوشة على حدود البلاد مع البلاد الآخر . .
رمت ما بيديها في القمامة و قالت . :
- لدي كتاب عن الأمومة و الطفل . . و الولادة و ما يتليها سأهديه لك . .
ازداد رعبي . . هل الأمر بهذه الجدية و الخطورة . !
|||
لم أتجرأ على الصراخ و طلب العون من أي أحد حولي . .
كنت أحاول فقط سحب يدي من قبضته بضعف واهٍ . .
و صلنا إلى البوابة المنارة بالأضواء . .
كانت الناس قليلون و لم تمتلكني الشجاعة الكافية لأستنجد بهم . .
لمحت من بين غشاوة عيني المائية وجه مألوف معه شخص آخر . .
بدأت الشجاعة تلبسُني . .
صرختُ بقوة . .
لم أعرف بأي شيء تلفظت . .
شعرت بقبضته تحرر يدي بسرعة . .
و رأيت طيفه الأسود يولي هارباً بينما يقترب مني شخصان ضحكاتهما المتبادلة العالية . .
و حديثهم يصل إلى أذني . .
رمشت بجفني حتى اتضحت الرؤية كان أخي عبد الله و شخص ما . .
ابتسمت و أحسستُ ببعض الآمن . .
انطلقت إليه بشوق عارم و احتضنته بقوة و أنا أقول . :
- اشتقتُ لك . .
شعرت بيدي وهو يبعدهما . .
و يبعد رأسي و كأنه في قمة الإحراج . .
ما باله أخي يحرج من أمر كهذا . !
رفعت رأسي لأرى أخي يقف بقربه و عيناه جاحظتان . .
شحب وجهي للحظة . .
ماذا فعلت . !
لقد أخطأت في العنوان . !
لم أشعر إلا بطعم الدم يسري في فمي . .
قال عبد الله ضاحكاً و بشكل أبله . :
- لا بأس كان حادثاً . . accident . . accident . .
ثم أضاف بعد برهة وهو يخرج منديلاً . .
- أن شفتك تنزف . .
ابتعدت قليلاً عنهما . . بصمت و منديل أخي في يده . .
كم هذا محرج . !
كيف سأقابلهما . ؟ !
سمعت عبدالله يقول لمن معه وهو يغير الموضوع . :
- و كنت تقول أنها صورة فتاة، و هي صورة منظر طبيعي . ! يالك من مخادع . !
ضحك صديقه بخفة و كأن شيئاً لم يكن . .
ألتفت إليهما و أنا اقنع نفسي بأن أتصرف بشكل طبيعي و أن أنسى ما حدث . .
و لكي أحرج نفسي أكثر . .
ركزت بصري على عبد الله ثم قلت فجأة . :
- أنا جائعة . !
قال عبد الله لصاحبه وهو يحاوره . :
- ما رأيك أن نتناول العشاء في مكان ما . ؟
بدا على وجه صديقه عدم الموافقة لكنه قال على مضض . :
- لا بأس بذلك . .
تذكرت للحظة أنهما لم يسألني عمن كان معي . ؟ !
و كيف لم ينتبه لي من البداية . !
هذا شيء يثير أعصابي حقاً . !
اتجهنا إلى السيارة . .
ركبتُ بالخلف . .
بينما أدار صديقه المقود و أخي يجلس بجانبه . .
كان واضحاً من تلك الأدوات المبعثرة و الخرائط حولي ، أنهما كانا في رحلة . .
أمسكت بإحدى الخرائط المتهرئة ، فتحتها . .
كانت مثيرة للاشمئزاز . . بخطوطها و ألوانها الباهتة . .
كم أكره الجغرافيا . !
سمعت صوت صاحبه ، يقول بحنق بسيط . :
- لا تعبثي بها . . هلّا أعدتها إلى مكانها . !
أشرت برأسي بنعم . .
و ملامح الاستخفاف تلعب بوجهي ، كيف له أن يخاف على شيء كهذا . !!
طويتها ثم أعدتها إلى مكانها مع باقي الخرائط . .
توقفنا عند مطعم ما ، خرج أخي و صديقه ليبتاعا الطعام و تركاني وحيدة في السيارة . !
فتحت الباب ثم ترجلت من السيارة . .
مازال باب السيارة مفتوحاً و نفسي تراودني في الدخول إلى المطعم أو الجلوس في السيارة . .
ابتسمت بشقاوة و لهو . .
أظن أنه من الأفضل . .
أن أظل في السيارة و أعبث بما بها ماداما ليسا موجودين . .
ركبت السيارة و أغلقت الباب . .
تقدمت برأسي إلى الأمام و أصبحت بين المقعدين الأماميين . .
أخذت أعبث في الأدراج . .
و لم أجد إلا خرائط لا تشبع فضولي . .
وجدت حقيبة أخي . .
أخذتها ثم فتحتها ,. .
أمسكت بملف ما . .
أووه كم هذا مقزز . . مازال يبحث في تلك الحشرات . .
و لم يجد إلا الصراصير لتكون عنوان بحثه . .
كم هذا مقرف . !
أدخلت يدي داخل الحقيبة تحسست صندوقاً زجاجياً و صندوق آخر مستطيل الشكل وأكبر حجماً من الصندوق الأول ..
أخرجت الكبير كان ابيض اللون و في منتصفه زجاج يتيح للفضولي أمثالي معرفة ما به . .
اندلع لساني دون أن اشعر ، وغدت قسمات وجهي كآكل الليمون الحامض . .
أوه . . لا . .
صراصير محنطة . .
أبعدت عيناي عنهم بسرعة . .
اشتدت قسمات وجهي للخلف . .
سأفرغ ما بمعدتي . .
ألم تجد يا أخي حشرات أفضل من هذه . !
ألقيت نظره عليهما . .
فوجدتهما يدفعان الحساب . .
رميت الحقيبة بعنف إلى المقعد الأمامي المجاور للسائق و عدت إلى مقعدي . .
متظاهرةً بالهدوء . .
بينما كنت أرقب حضورهما . .
أحسست بشيء يقفز و يحاول الطيران قرب الزجاج الأمامي . .
و لأن الضوء كان خافتاً . . خمنت بأنها فراشة صغيرة . .
ابتسمت ابتسامة واسعة . .
ما هذا أيعقل أن تكون فراشة . ! ؟
شعرت بها تقترب إليّ . .
اتضح لي أنها صرصور بعدما هبط بين يديّ . .
فتحت الباب بسرعة و أن أصرخ . .
و جلد مقشعر من وقعته عليّ . .
بينما هو يدور طائراً كالأعمى حولي ، يصطدم بباب السيارة و السيارة الأخرى . .
هبط على الأرض . .
عندها استجمعت ما عندي من شجعه و أغمضت عيني . .
ثم دست عليه بكل قوتي . .
بقيت قدمي واقفة عليه . .
تقززت نفسي أكثر بعدما تذكرت أنني ظننته فراشة . .
ياللقرف . !
اقترب مني عبد الله مسرعاً لاهثاً وهو مرعوب من ملامح وجهي المفزوعة . .
سألني عبد الله بعد أن ألتقط نفسه . :
- ما الذي حصل . ؟
كدت أبكي بعدما تذكرت تلك المفاجئة المشئومة . .
اقترب صديقه بعد لحظات و بيده كيس العشاء . . و قال . :
- ما الذي حصل يا جماعة . ؟
رفعت قدمي ببطء و أنا أقول بنفس مشمئزة . .
- لقد ظهر هذا الصرصار الطائر في وجهي . .
أغمضت عيني و أنا أدعك أسفل حذائي بالإسفلت عله يبعد بقايا الصرصار . .
ضحك صديقه و قال . :
- أليس هذا يشبه صوصو . ؟
ضحك أكثر وهو يقول . :
- ألم أقل لك يا عبدو أن أمانيّ تتحقق . ! فهاهو اليوم مقتول و مثلما تمنيت بدهسه من احدهم . .
قلت بحنق . .:
- لست بأحدهم . . اسمي ريناااد . .
فتحت الباب . . ثم ركبت السيارة ثم جلست بروية و أنا أعاين مكاني
و أتأكد من صلاحيته للجلوس . .
ركبا الاثنان . .
ركب صديق عبد الله و ابتسامة انتصار و سرور تعلو محياه . .
وضع الكيس بينهما . .
ركب عبدالله أو عبدو كما ناده صاحبه وهو مكتئب و يهذي . .:
- لقد ربيته منذ صغره . . أردت أن أراه وهو يطير . . و من ثم أضيفه في مجموعتي . .
كنت سأجري عليه الأبحاث . .إلخ .
بينما كان صديقه يضحك بين الحين و الآخر على ما حصل . .
أصممت أذني عما يصدرانه من إزعاج . .
فليست مواجهة الصرصار و لوحدك شيء مضحك . .
و ليس بفقدانه أيضاً شيء محزن . !
أخذت أتأمل في الشوارع التي افتقدها ،
خطر ببالي سؤاله عن كيفية معرفته بمكاني . !
أرخيت أذني لأسمع تذمر عبدالله . .
- هذا هو ثاني صوصو يقتل . . الأول مات خنقاً بإبادة تركي . .
بينما الآخر داست عليه الآنسة ريناد . .
هذا ليس عدلاً أريد أن أحضر طيرانه فكلكما حضرتماه إلا أنا . !
كتمت ضحكتي فأخي يبدو طفلاً صغيراً حينما يفقد شيئاً و تصرفه مغاير لما يفعله الآخرون ،
و ذلك لأن عصبية والده التي طبعت بصمات على جسده مازلت موجودة ، فهو يمقت نفسه
حينما يتصرف بشكل عصبي و لذلك يبقى مرحاً طوال الوقت و يحاول حبس غضبه قدر
استطاعته و يتذمر بدلاً عن ذلك . .
ابتسمت بعطف ، هذا هو أخي الذي أحبه .