صراخ وكوابيس
--
في صحوي ومنامي يطاردني.. في غدوي ورواحي.. في غفوتي ويقظتي .. وحتى في أحلامي يطاردني ذلك الكابوس البغيض.. الذي لا يفتأ أن ينغص علي حياتي ويملأ أيامي بقسوة الترقب وعذاب الإنتظار..
وهل ذلك سيحدث؟.. سؤال يفزعني ويهزني حتى النخاع.. خوف مبهم يجتاحني، ويحيل حياتي إلى لعبة في كف الأقدار..
صرخت جزعة ذات ليلة.. هرعت أمي إلى فراشي مرتاعة.. دموع كثيرة كست وجهي ولكنني لم أفه بحرف.. ولم أخبر أمي بالكابوس الذي يسكنني..!
تكرر الكابوس.. وتكرر الصراخ.. وتعبت أمي منى وتعبت منها.. سألتني ذات يوم وحنان الأمومة يرتج في صدرها:-
- أمل.. مابك؟
لأهرب من الإجابة.. رددت على السؤال بسؤال آخر
- لماذا؟
إخترقتني عيناها الخبيرتان لتكشف أعماقي و هى تقول بقلق:
- إن ما يحدث لك عجيب.. صراخ معظم الليالي.. هل أنت مريضة؟
هززت برأسي علامة النفى، ونهضت هاربة من المواجهة.. والصوت يدوي في رأسي.. والعذاب يلهث في صدري من جديد.. وماذا أقول لأمي :.. بل ماذا أقول لنفسي؟
إختارتني المعلمة في الفصل لأقوم بحل السؤال على السبورة لم أستطع الجواب.. ولم أستطع حتى أن أحرك يدي.. إنهالت على باللوم والتقريع وقالت لي ضمن ماقالته:
- أما أن تكوني مريضة أو غبية..؟!
صدمتني الكلمات رغم الضحك المتواصل من زميلاتى.. فهل أنا مريضة فعلاً كما تقول امي والمعلمة.. ولكنني لا أعرف سبباً واحداً لمرضي ولا حتى عرضاً له.. كل ما أعرفة هو هذا الكابوس الذي يأبى أن يفارقني..
قررت أن أحكي لصديقتي (سارة) فهي الوحيدة القادرة على فهمي.. إجتذبتها من يدها إلى حجرتى.. أغلقت الأبواب والنوافذ بإحكام.. قالت لي وسط ذهولها :
- ماذا تفعلين؟!
أجبتها بأنني سأحكي لها عن حلم فضحكت بشدة وهى تقول:
- أنت يا أمل إما مجنونة أو مريضة..؟!
كانت تهزل بلا شك.. ولكن كلمتها الأخيرة إخترقتني كسهحم قاتل، وأضاعت بهجتي فى الإعتراف.. إلتمعت الدموع فى عيني والعالم يزداد ظلاماً ووحشة.. وذلك الكابوس الرهيب يجتاحني بقوة لم أستطيع لها دفعاً.. حتى صرخت بها:
- سارة.. أرجوك أخرجى..
بهتت.. سألتني:
- أمل.. مابك.. لقد كنت أهزل معك..
همست ودموعي تهطل بغزارة:
- أرجوك أخرجي بسرعة..
نظرت إلى بفزع.. ثم مضت مترددة نحو الباب.. دفعتها بعنف وأغلقت الباب.. ألقيت بنفسى فوق السرير واستسلمت تماماً للكابوس الذي حطمني..
حلم غريب أو كابوس مريع فيه أرى أختي الصغيرة تقتلني.. تقترب مني بخطى حثيثه وفي يدها خنجر يلتمع نصله الحاد في ظلام الحجرة ثم تهوي به على جسدي في طعنات سريعة متوالية.. وأصرخ.. وأصرخ..
وأصرخ..
فتحت عيناي بيأس وأنا أتساءل بمرارة: لم يتكرر هذا الكابوس المفزع كل ليلة؟.. بل كل يوم..
أنظر إلى أختي الصغرى ذات الأثنى عشر ربيعاً.. إنها هادئة وجميلة وبراءة الأطفال تسكن عينيها..
إذن هل هي أضغاث أحلام؟.. أم ماذا؟..
قررت أن أصارح أمى بالحقيقة لتحمل عني ولو جزءاً من تبعات هذا الحلم العجيب..
قلت لها بصوت متهدج:
- أماه.. إني أرى حلماً غريباً يتكرر دائمأ في صحوي ومنامي.. نطرت إلي في دهشة وهي تسأل:
- كنت أشعربذلك.. خيراً إن شاء الله ماهو لأفسره لك؟..
أجبتها بإضطراب فشلت في إخفاءه:
- لا أدري.. كل ما أراه هو أن شقيقتي الصغرى خلود تقتلني في الحلم.. تطعنني بخنجر دون هوادة أو رحمة.. إنني إتعذب يا أماه ولا أدري ماذا أفعل؟
رفعت رأسي لأفاجأ بوجه أمي الممتقع وبعينيها الغارقتين بالدموع.. سألتها بوجل:
- أمى مابك؟.. ماذا حدث؟
جففت دموعها بسرعة وهي تنهض قائلة:
- لا شئ.. أبداً لا شئ..
أسرعت خلفها أعدو وأنا أقول:
- والحلم يا أمي.. ماذا بشأنه..؟!
لكن كانت قد أغقلت باب حجرتها بإحكام..
ذلك الحوار مع أمى كان البذرة الأولى للعذاب الذي نمى داخلي وترعرع في صدري وضربت جذوره أعماقي.. ما السر الذي تحاول أمي أن تخفيه عني؟..
لم تغير وجهها وبكت حين أخبرتها بأمر حلمي؟..
ما العلاقة بين حلمى وبكاء أمي؟..
أسئلة كثيرة تطرق رأسي بدون جواب.. وتمر الأيام وأنا ممزقة حائرة وتغتالني أحلامي وتعذبني براءة شقيقتي وطفولتها العذبة..
وقررت فجأة أن أتجه إلى أحد العرافات أبثها شكواي وأتلقي النصيحة منها.
حصلت من إحدى صديقاتي على عنوان إحداهن ورقم هاتفها.. ذهبت إليها مترددة يسبقنى خوفى.. إستقبلتني بفتور أذاب كل حيائى..
رمشت عيناها فجأة وهي نقول:
- أنت مريضة.. أليس كذلك؟
حدقتما فيها بذهول.. مريضة!!.. ما معنى كلمة مريضة؟.. ولماذ يصر الكل على أننى مريضة؟.. هل أنا مريضة فعلاً..؟ وهل يبدو على ذلكبوضوح؟.. تابعت كلامها وقد أسعدها صمتي المطبق:
- مم تشتكين؟.. أستطع أن أخمن هذا الأمر..
لذت بالصمت لتشجيعها على الكلام.. إستطردت بصوت واثق:
- أنت طالبة.. وتعانين من الأرق والصداع و.. قاطعتها قائلة:
- بالضبط،. ولكن الأمر أخطر من ذلك بكثير..
منذ أشهر خلت يطاردنى حلم مفزع أرى فيه شقيقتي الصغرى تقتلني فى الحلم.. ثم أفيق وأنا أصرخ فى رعب مميت..
أطرقت برأسها صامته وجهها الملئ بالتجاعيد يتلون بصورة أفزعتني.. ثم صرخت فجأة وهى تقول:
- أخرجي.. هيا أخرجي..
وقفت الملم أشلائي بإرتباك وأنا أسأل:
- لماذا.. والحلم؟
إخترقتني صرختها الآمرة:
- أخرجي بسرعة. ولن يعود إليك الحلم مرة أخرى..
قبل أن يبتلعني الباب الخارجى.. قلت لها بتساؤل:
- وأختي؟
أشاحت بوجهها قائلة:
- الحلم سيعاودك عندما تكبر شقيقتك هذه.. سألتها:
- ما معنى هذا؟