علي عبدالله القاسمي
يستيقظ صباحاً ليحمل ملفه الأخضر "العلاقي" باحثاً عن وظيفة تشكل له حضوراً في مجتمعه... إنه لا يؤمن إلا بالوظيفة، والوظيفة فقط، يريد أن يستلقي على فراشه الوثير من الحصير كل مساء مطمئن البال، مع انه يتجه لفراشه دائماً وهو يردد "تعبت فعجزت فنمت"، يحلم في الوقت نفسه بأن يفرق بين الليل والنهار بعد أن سُلِب حلمه في الحصول على وظيفة، المجتمع يلمزه بكلمات ذات مغزى بين حين وآخر، وأمه - كعادتها - لا تملك حيلة إلا أن تدعو لابنها بأن يرزقه الله الوظيفة التي يبحث عنها، فلم تعد تفكر - ولو مجرد تفكير - في أن ترى ابنها عريساً!
إنه لا يجلس إلى صاحبه الموظف القديم إلا وتنتابه حال من الحزن، فهو جامعي الشهادة، وقد بذل جهداً وسنوات من عمره لتحقيق حلم الوظيفة التي حصل عليها صاحبه ذو الشهادة الثانوية... ويأسف لذلك اليوم الذي استشار فيه والده - رحمه الله - في نوعية التخصص الذي يلتحق به في إحدى الجامعات، ولا ينسى وقتها "كرنفال" الفرح الذي نظمته الأسرة، واللقب الذي أضفاه المجتمع عليه حين يناديه الجميع باللقب المنتظر الذي سيحمله بحكم تخصصه، ست سنوات من البحث لم يجد خلالها وظيفة تتفق - أولاً - مع شهادته، أو تخصصه الدراسي لأربع سنوات ونصف السنة، وتتناسب - ثانياً - وظروفه التي ألزمته أن يكون بجانب أمه بعد أن غادر الأب الأسرة البسيطة - موتاً - وإذا أضفنا سنوات الانتظار إلى سنوات الدراسة لذهب نصف عمره الشبابي وهو يقبل على نصف العمر الشبابي الثاني من دون نتيجة تذكر، أو حضور اجتماعي له ولمن يشاركه آلام حاله، وتتضاءل الآمال والأحلام والطموحات والرغبات وهو وهم يعانون إحباط البقاء على الرصيف، أو في البيت في مرحلة عمرية هي أكثر نشاطاً واندفاعاً من دون فرصة عمل.
إننا نفاخر بأعداد كليات جامعاتنا ونتفاءل بقبولها رقماً لا يستهان به كل عام، لكننا لا نعرف كم رقماً تخرج في الكليات بشهاداتهم، وكم متخرجاً -وهذا هو المهم - وجد وظيفة يضع بها قدمه على أولى عتبات المستقبل، وكم هو مؤلم حين نشاهد الشباب يحمل شهاداته الجامعية في طوابير من البحث عن وظيفة، هل من المعقول أننا نهوى إعداد كوكبة من أبنائنا سنين طوالاً بالعلم والتأهيل للوظائف ثم في غمضة عين نقتل فيهم الآمال والأحلام والطموحات الوطنية والإنسانية ليبقوا في تيه "البطالة"؟
الوقت يمضي من دون أن نقف مع شباب جامعي نشَاهَد على وجهه ملامح يائسة، وتسكعاً حائراً لا يعرف حلاً لبطالته التي ليس له يد فيها!
* نقلا عن جريدة "الحياة" اللندنية