لابد أن يتزوج سالم بفاطمة
فاطمة فتاة خجولة ، ابتسامتها رقيقة ، ضحكتها بريئة ، هي طفلة في ثوب امرأة .. لا تكذب ، لا تخدع ، لا تعرف المجاملة ، قليلة الكلام .. لا تتكلم إلا إذا طلب منها الكلام وفوق هذا تتكلم ( بالقطارة ) .. على عكس جميع النساء الموجودات في هذا العالم اللاتي لا يتوقفن عن ( القاق قاق ) و ( الحش في خلق الله ) كانت فاطمة تختلف عن كل هؤلاء النساء ولهذا ازداد ( الاستاذ سالم ) حباً لها بالرغم من كونه متزوج وأب لثلاثة أطفال ..!!
كانت فاطمة في الخامسة والعشرين من عمرها .. تقدم لها الكثيرون ولكنها رفضتهم ، تقدم لها ابن خالتها ولكنها كانت لا تفكر في الزواج .. كانت تفكر في شيء آخر شغل فكرها وبالها وجعلها تنسى موضوع الزواج حتى إشعار آخر ..!!
نعود إلى الماضي وبالضبط قبل سبع سنوات حينما تقدم الشاب الجامعي المتعلم سالم لطلب يد الآنسة فاطمة التي كانت تدرس في الصف الثاني ثانوي ويومها وافقت والدتها عليه ولكن والدها ( رحمه الله ) رفضه ورجعه حزيناً خائباً لأن والد سالم كان فارسي الأصل وكذلك لأن فاطمة مازلت صغيرة في السن .. حزن سالم حزناً شديداً وقرر السفرإلى لبنان لاستكمال دراسته في العلوم السياسية بجامعة بيروت ليعود بعدها بأربعة سنوات ومعه زوجة لبنانية وثلاثة ابناء !!
قرر سالم أن يرحل بحزنه بعيداً عن ( الدقداقة ) التي ولد وتعلم وأحب فيها إلى بيروت الباردة .. إلى لبنان الجميلة حيث ينشغل بالتعليم وينسى الفتاة التي أحبها .. ذهب ليتعلم في لبنان وينشغل بالدراسة ولكن حدث مالم يكن يتوقعه حينها وهو إعجابه بأحد زميلات الدراسة من اللبنانيات الجميلات فتزوجها بسرعة وواصل تعليمه ليكتشف قبل التخرج أن عنده ثلاثة أطفال وكأن عجلة الزمن تسير أسرع من طبيعتها ..
اكتشف سالم أن زوجته لبنانية وأنه أصبح مرتبطاً بها ولا يستطيع التخلي عنها واكتشف أن عنده ثلاثة أبناء منها واكتشف اكتشافاً آخر وهو أن عليه العودة إلى الإمارات لأنه حصل على شهادة الماجستير حيث تنتظره الوظيفة الكبيرة وينتظره وعد قطعه على نفسه بأن يقدم شيئاً لبلده الإمارات التي وفرت له كل شيء حتى حصل على شهادته !!
بعد انتهاء سالم من دراسته وحصوله على الشهادة اعتبر زواجه من اللبنانية ( فايزة ) أكبر خطأ في حياته واعتبر إنجابه للأبناء إصراراً على الوقوع في الخطأ وأخذ يفكر فيما يجب عليه فعله ..
هل يترك اللبنانية في لبنان ويطلقها ويرحل غير عابئاً بها وبالأبناء ؟!؟
هل ينسى المرأة التي وقفت إلى جنبه وينسى فلذات كبده ؟
هل يستطيع التخلي عن أبنائه وزوجته بهذه الطريقة البشعة ؟!؟
وهل هو نذل وجبان لهذه الدرجة حتى يفكر هذا التفكير الأحمق ؟!؟
طبعاً لا فسالم أكبر من أن يفعل هذا وهو إبن الإمارات الذي تعلم فيها الأخلاق العربية الأصيلة وتعلم في مدارسها مبادىء الدين الإسلامي الحنيف ولهذا قرر سالم أن يأخذها معه إلى الإمارات حتى لو كان هذا على حساب قلبه الذي مازال يحب فاطمة بنت الجيران التي رفضه والدها ..
نزل سالم مع زوجته وأطفاله في مطار دبي ولم يكن يستقبله أحد ( كالعادة ) فركب تاكسي إلى رأس الخيمة حيث بيت والده الهرم الذي يقضي يومه في الصلاة والذكر ..
وصل سالم إلى الدقداقة وأخذ ينظر إلى بيوتها القديمة حتى مر ببيت كان يعرفه ، كان يحبه ، كان يتمنى لو أن صاحبه قد زوجه بابنته قبل أن يموت وقبل أن يسافر هو إلى لبنان ويتزوج منها .. هو بيت فاطمه ، الحب الأول الذي مازال له في القلب أجمل مكان وأحلى ذكرى .. ولكن كفىء سالم دمعة من عينه وانتبه لزوجته التي كانت تقارن بين عمارات دبي الشاهقة والبيوت الشعبية القديمة في أحياء رأس الخيمة .. ضحك سالم في خاطره وقال : بالأمس كنت آكل معها جبنة وزيتون في الشقة وغداً سوف تأكل معي المالح والعوال في العريشة ههههههههه ..
اشتغل سالم في أحد الدوائر المحلية بوظيفة مدير قسم واستمر في عمله لثلاث سنوات أخرى وهو يتتبع أخبار فاطمة من بعيد وكان لا يزال يمني نفسها بالزواج بها !!
نعود إلى فاطمة ونقول بأنها لم تكن تفكر في الزواج لأنها كانت تفكر في الطريقة التي تساعد فيها أمها العمياء وتربي أختها الصغيرة خصوصاً وأنه ليس لها أقارب قريبون أبداً بالإضافة إلى أن والدها ليس له معاش تقاعد من الدولة لأنه لم يعمل في دائرة حكومية كما أن معاش الشؤون الاجتماعية ( 1250 درهم ) لا يكفي لسد فواتير الكهرباء والتلفون والمأكل والمشرب ومصاريف دراسة البنت الصغيرة .. ولذلك فور تخرج فاطمة من كلية التقنية سارعت إلى البحث عن وظيفة ولكنها ( مثل غيرها من الخريجات ) لم تجد عملاً .. قدمت فاطمة أوراقها في الجامعة والتقنية والتربية والبنوك وغيرها ولكن كانت كل الأبواب مغلقة في وجهها بطريقة فظيعة حتى وقعت فاطمة بين نارين .. أمها العمياء وأختها الصغيرة ، وعدم وجود وظيفة لها وقلة الحيلة في فعل شيء ولذلك كانت فاطمة تبكي في كل يوم قبل أن تنام وكانت تدعو ربها أن يفك هذه الأزمة على خير !!
اتصل الأستاذ سالم بأم فاطمة ذات يوم وقد كان يعرفها بحكم أنها كانت صديقة المرحومة أمه وبحكم أنه جارهم الذي أصبح أقرب الناس لهم وقال لها : ألف مبروك .. أخيراً وبعد طول عناء استطعت إقناع المدير بتوظيف فاطمة عندنا في المؤسسة ..!!
فرحت أم فاطمة بهذا الخبر ودعت له بالتوفيق والنجاح وانفتاح أبواب الرزق وأخذت تدعو له بكل الدعوات الممكنة والغير ممكنة وهكذا هم ( العجائز ) الله يخليهم !!
سارعت أم فاطمة إلى ابنتها لتبلغها هذا الخبر ففرحت فاطمة واحتضنت أمها وأخذت تبكي على صدرها غير مصدقة .. وأخيراً ستعمل فاطمة وستحصل على راتب وستنتهي الكثير من الديون ..