وهذه بعض قصائده ....
قصيدة في رثاء الرسول صلىالله عليه وسلم
مَا بَالُ عَيني لاَ تَنامُ كَأَنَّمَا
كُحِلَتْ مَآقَيُّها بِكُحلِ الأَرمَدِ
جَزَعاً عَلَى الْمَهدِيِّ أَصبَحَ ثَاوِياً
يَا خَيرَ مَنْ وَطِئَ الحَصى لاَ تَبعُدِ
جَنَبِي يَقيَّكَ التُرَّبَ لَهَفِي لَيتَنِي
غُيِّبتُ قَبلَكَ فِي بَقيِّعِ الغَرقَدِ
أَأُقيمُ بَعدَكَ بِالمَدينَةِ بَينَهُم
يَا لَهَفَ نَفسِّي لَيتَنِي لَمْ أولَدِ
بِأَبِي وَأُمِّي مَنْ شَهِدَّتُ وَفَاتَهُ
فِي يَوْمِ الاِثنَينِ النَّبِيُّ الْمُهتَدِّي
فَظَلِلتُ بَعْدَ وَفاتِهِ مُتَلَدِّداً
يَا لَيتَني أُسقِيتُ سَمَّ الأَسوَدِ
أَوْ حَلَّ أَمرُ اللهِ فِينَا عَاجِلاً
مِن يَومِنا فِي رَوحَةٍ أَوْ فِي غَدِ
فَتَقوْمُ سَاعَتُنا فَنَلقَّى طَيِّباً
مَخصاً ضَرائِبُهُ كَريمَ الْمَحتِدِ
يَا بِكرَ آمِنَةَ الْمُبارَكَ ذِكرُهُ
وَلَدَتكَ مُحصَنَةٌ بِسَعدِ الأَسعَدِ
نُوْراً أَضَاءَ عَلَى البَرِيَّةِ كُلِّهَا
مَنْ يُهدَ لِلنورِ المُبارَكِ يَهتَدِ
يَا رَبِّ فَاِجمَعَنَا مَعاً وَنَبِيَّنا
فِي جَنَّةٍ تُنبِّي عُيوْنَ الْحُسَّدِ
فِي جَنَّةِ الفِردَوسِ وَاِكتُبها لَنَا
يَا ذَا الْجَلاَلِ وَذَا العُلاَ وَالسُّؤدُدِ
وَاللهِ أَسمَعُ مَا حَيِيَّتُ بِهَالِكٍ
لاَ بَكَيتُ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدِ
يَا وَيحَ أَنْصَارِ النَّبِيِّ وَرَهطِهِ
بَعدَ المُغَيَّبِ فِي سَواءِ المُلحَدِ
ضَاقَت بِالأَنْصَارِ الْبِلادُ فَأَصبَحُوْا
سوْداً وُجُوهُهُمُ كَلَونِ الإِثمِدِ
وَلَقَدْ وَلَدْنَاهُ وَفينَّا قَبرُهُ
وَفُضولَ نِعمَتِهِ بِنا لَمْ نَجْحَدِ
وَاللهُ أَكرَمَنا بِهِ وَهَدى بِهِ
أَنْصَارَهُ فِي كُلِّ سَاعَةِ مَشهَدِ
صَلَّى الإِلَهُ وَمَن يَحُفُّ بِعَرشِهِ
وَالطَيِّبونَ عَلى المُبارَكِ أَحمَدِ
فَرِحَتْ نَصَارَى يَثرِبٍ وَيَهودُهِا
لَمَّا تَوارَى فِي الضَّريِحِ الْمُلحَدِ
&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&
حصان رزان
قال حسان بن ثابت يعتذر من الذي قاله في شأن عائشة - رضي الله عنها-
حصان رزان ما تزن بريبة......... ....... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
ِ
حليلة خير الناس دينا ومنصبا............ نبي الهدى والمكرمات الفواضل ِ
عقيلة حي ٍ من لؤي ٍ بن غالب.............. فِرام المساعي مجدها غير زائل ِ
مهذبة قد طيب الله خيمها .................... وقاها من كل سوءٍ و باطل
فان كنت قد قلت الذي قد زعمته...................... فلا رفعت صوتي إلي اناملي
وان الذي قد قيل ليس بلائط................. بها الدهر بل قول امرءٍ بيماحل
فكيف وودي ما حييت ونصرة ٍ.................. لآل نبي الله زين المحافل
له رتب عال على الناس كلهم................. تقاصر عنه سَورةُ المتطاول
رأيتك وليغفر لك الله حرة..................... من المحصنات غير ذات موائل
حصان رزان ما تزن بريبة.................... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل.
شرح المفردات :-
حصان رزان : العفيفة ذات الثبات والوقار .
تزن : تتهم .
غرثى : جائعة .
الغوافل : مفردها غافلة وهي التي لا ترتع في اعراض الناس .
الخيم : الاصل .
العقيلة : السيدة الكريمة .
لائط : لازم .
الماحل : من مُحلَ به الى السلطان وقيل انه قال شيء لم يقله وافتُرِيَ عليه .
الرتب : ما شرف من الارض واستعاره المجد والشرف .
الغوائل: جمع غائلة وهو الشر والفساد.
ظروف النص
مناسبة هذه القصيدة ذلك أن حسان رضي الله عنه قد زل لسانه في حادثة اتهام أم المؤمنين الفقيهة الشاعرة العالمة العفيفة الصبورة عائشة بنت الصديق رضي الله عنها وقد تاب وندم وعفي عنه بعد أن برء الله أمنا رضي الله عنها بقوله تعالى : " الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات..... اؤلائك مبرؤون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم " , وكان في آخر عمرها يدخل عليها وينشد هذه القصيدة بين يديها , وهي من ابلغ قصائد التاريخ ومعانيها رائعة جميلة غاية في البلاغة وإنها لمن جوامع الكلام , وانك والله لتذرف عينك عند تتأمل معانيها , حينما يذم شاعرنا المبجل نفسه وترى اثر الندامة تتخلخل من بين كلماتها البراقة والتوبة الصادقة من مفرداتها .
وقول حسان في عائشة :
" حصان رزان ما تزن بريبة -- وتصبح غرثى من لحوم الغوافل"
حصان فعال بفتح الحاء يكثر في أوصاف المؤنث وفي الأعلام منها ، كأنهم قصدوا بتوالي الفتحات مشاكلة خفة اللفظ لخفة المعنى ، أي المسمى بهذه الصفات خفيف على النفس وحصان من الحصن والتحصن وهو الامتناع على الرجال من نظرهم إليها ، وقالت جارية من العرب لأمها :
يا أمتا أبصرني راكب ----- يسير في مسحنفر لاحب
جعلت أحثي التراب في وجهه -- حصنا وأحمي حوزة الغائب
فقالت لها أمها :
الحصن أدنى لو تآبيته -- من حثيك الترب على الراكب
ذكر هذه الأبيات أحمد بن أبي سعيد السيرافي في شرح أبيات الإيضاح والرزان والثقال بمعنى واحد وهي القليلة الحركة .
وقوله
" وتصبح غرثى من لحوم الغوافل"
أي خميصة البطن من لحوم الناس أي اغتيابهم وضرب الغرث مثلا ، وهو عدم الطعم وخلو الجوف وفي التنزيل "ً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ " الحجرات12, ضرب المثل لأخذه في العرض بأكل اللحم لأن اللحم ستر على العظم والشاتم لأخيه كأنه يقشر ويكشف ما عليه من ستر. وقال ميتا ، لأن الميت لا يحس ، وكذلك الغائب لا يسمع ما يقول فيه المغتاب ثم هو في التحريم كأكل لحم الميت . وقوله من لحوم الغوافل يريد العفائف الغافلة قلوبهن عن الشر كما قال سبحانه " إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَات "النور23 ، جعلهن غافلات لأن الذي رمين به من الشر لم يهممن به قط ولا خطر على قلوبهن فهن في غفلة عنه وهذا أبلغ ما يكون من الوصف بالعفاف .
وقوله
" له رتب عال على الناس كلهم "
الرتب ما ارتفع من الأرض وعلا ، والرتب أيضا : قوة في الشيء وغلظ فيه والسورة رتبة رفيعة من الشرف مأخوذة اللفظ من سور البناء .
وقوله
" فإن الذي قد قيل ليس بلائط"
أي بلاصق يقال ما يليط ذلك بفلان أي ما يلصق به ومنه سمي الربا : لياطا ، لأنه ألصق بالبيع وليس ببيع. وفي الكتاب الذي كتب لثقيف وما كان من دين ليس فيه رهن فإنه لياط مبرأ من الله .
وقوله في الشعر
" فلا رفعت سوطي إلي أناملي"
دعاء على نفسه وفيه تصديق لمن قال إن حسان لم يجلد في الإفك ولا خاض فيه وأنشدوا البيت الذي ذكره ابن إسحاق :
لقد ذاق حسان الذي كان أهله
على خلاف هذا اللفظ
لقد ذاق عبد الله ما كان أهله
وحمنة إذ قالوا : هجيرا ومسطح
&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&
بطيبة رسم الرسول
بطيبةَ رسمٌ للرسولِ ومعهدُ *** منيرٌ ، وقد تعفو الرسومُ وتهمد
ولا تنمحي الآياتُ من دارِ حرمةٍ *** بِها منبرُ الهادي الذي كانَ يصعدُ
وواضحُ آياتٍ، وباقي معالمٍ *** وربعٌ لهُ فيهِ مصلىً ومسجدُ
بِها حجراتٌ كانَ ينزلُ وسطها *** منَ اللهِ نورٌ يستضاءُ، ويوقدُ
معالمُ لَم تطمسْ على العهدِ آيها *** أتاها البلى، فالآيُ منها تجددُ
عرفتُ بِها رسمَ الرسولِ وعهدهُ *** وقبراً بهِ ورارهُ فِي التربِ ملحدُ
ظللتُ بِها أبكي الرسولَ، فأسعدتْ *** عيونٌ، ومثلاها منَ الجفنِ تسعدُ
تذكرُ آلاءَ الرسولِ، وما أرى *** لَها محصياً نفسي ، فنفسي تبلدُ
مفجعةٌ قدْ شفها فقدُ أحمدٍ *** فظلتْ لآلاء الرسولِ تعددُ
وما بلغتْ منْ كلّ أمرٍ عشيرهُ *** ولكنّ نفسي بعضَ ما فيه تحمدُ
أطالتْ وقوفاً تذرفُ العينُ جهدها *** على طللِ القبرِ الذي فيهِ أحمدُ
فبوركتَ، يا قبرَ الرسولِ، وبوركتْ *** بلادٌ ثوى فيها الرشيدُ المسددُ
وبوركَ لَحدٌ منكَ ضمنَ طيباً *** عليهِ بناءٌ من صفيحٍ، منضدُ
تُهيلُ عليهِ التربَ أيدٍ وأعينٌ *** عليهِ، وقدْ غارتْ بذلكَ أسعدُ
لقد غيبوا حلماً وعلماً ورحمةً *** عشيةَ علوهُ الثرى، لا يوسدُ
ورتحوا بِحزنٍ ليسَ فيهمْ نبيهمْ *** وقدْ وهنتْ منهمْ ظهورٌ، وأعضدُ
يبكونَ من تبكي السمواتُ يومهُ *** ومن قدْ بكتهُ الأرضُ فالناس أكمدُ
وهلْ عدلتْ يوماً رزيةُ هالكٍ *** رزيةَ يومٍ ماتَ فيهِ محمدُ
تقطعَ فيهِ منزلُ الوحيِ عنهمُ *** وقد كانَ ذا نورٍ، يغورُ وينجدُ
يدلُّ على الرحمنِ منْ يقتدي بهِ *** وينقذُ منْ هولِ الخزايا ويرشدُ
إمامٌ لَهمْ يهديهمُ الحقَّ جاهداً *** معلمُ صدقٍ، إنْ يطيعوهُ يسعدوا
عفوٌّ عن الزلاتِ، يقبلُ عذرهمْ *** وإنْ يحسنوا، فاللهُ بالخيرِ أجودُ
وإنْ نابَ أمرٌ لَم يقوموا بِحمدهِ *** فمنْ عندهِ تيسيرُ ما يتشددُ
فبينا همُ فِي نعمةِ اللهِ بينهمْ *** دليلٌ بِهِ نَهجُ الطريقةِ يقصدُ
عزيزٌ عليهِ أنْ يحيدوا عن الهدى *** حريصٌ على أن يستقيموا ويهتدوا
عطوفٌ عليهمْ، لا يثني جناحهُ *** إلى كنفٍ يَحنو عليهم ويمهدُ
فبينا همُ فِي ذلك النورِ، إذْ غدا *** إلى نورهمْ سهمٌ من الموتِ مقصدُ
فأصبحَ محموداً إلى اللهِ راجعاً *** يبكيهِ جفنُ المرسلاتِ ويحمدُ
وأمستْ بلادُ الحرم وحشاً بقاعها *** لغيبةِ ما كانتْ من الوحيِ تعهدُ
قفاراً سوى معمورةِ اللحدِ ضافها *** فقيدٌ، يبكيهِ بلاطٌ وغرقدُ
ومسجدهُ، فالموحشاتُ لفقدهِ *** خلاءٌ لهُ فيهِ مقامٌ ومقعدُ
وبالجمرةِ الكبرى لهُ ثمّ أوحشتْ *** ديارٌ، وعرصاتٌ، وربعٌ، ومولدُ
فبكي رسولَ اللهِ يا عينُ عبرةً *** ولا أعرفنكِ الدَّهرَ دمعكِ يجمدُ
ومالكِ لا تبكينَ ذا النعمةِ التي *** على الناسِ منها سابغٌ يتغمدُ
فجودي عليهِ بالدموعِ وأعولي *** لفقدِ الذي لا مثلهُ الدَّهرِ يوجدُ
وما فقدَ الماضونَ مثلَ محمدٍ *** ولا مثلهُ، حتّى القيامةِ، يفقدُ
أعفَّ وأوفَى ذمةً بعدَ ذمةٍ *** وأقربَ منهُ نائلاً، لا ينكدُ
وأبذلَ منهُ للطريفِ وتالدٍ *** إذا ضنّ معطاءٌ ، بِما كانَ يتلدُ
وأكرمَ حياً فِي البيوتِ، إذا انتمى *** وأكرمَ جداً أبطحياً يسودُ
وأمنعَ ذرواتٍ، وأثبتَ فِي العلى *** دعائمَ عزٍّ شاهقاتٍ تشيدُ
وأثبتَ فرعاً فِي الفروعِ ومنبتاً *** وعوداً غداةَ المزنِ، فالعودُ أغيدُ
رباهُ وليداً، فاستتمّ تمامهُ *** على أكرمِ الخيراتِ، ربٌّ مُمَجّدُ
تناهتْ وصاةُ المسلمينَ بكفهِ *** فلا العلمُ محبوسٌ، ولا الرأيُ يفندُ
أقولُ، ولا يلفى لقوليَ عائبٌ *** منَ الناسِ، إلا عازبُ العقلِ مبعدُ
وليسَ هوائي نازعاً عنْ ثنائهِ *** لعلي بهِ فِي جنةِ الخلدِ أخلدُ
معَ المصطفى أرجو بذاكَ جوارهُ *** وفِي نيلِ ذاك اليومِ أسعى وأجهدُ
&&&&&&&&&&&&&&&&&
تأوبني ليل بيثرب
تأوبنِي ليلٌ بيثربَ أعسرُ *** وهمٌّ، إذا ما نومَ النَّاسُ، مسهرُ
لذكرى حبيبٍ هيجتْ ثمّ عبرةً *** سفوحاً، وأسبابُ البكاء التذكرُ
بلاءٌ، فقدانُ الحبيبِ بليةٌ *** وكمْ منْ كريمٍ يبتلى، ثمّ يصبرُ
رأيتُ خيارَ المؤمنينَ تواردوا *** شعوبَ وقدْ خلفتُ فيمن يؤخرُ
فلا يبعدنّ اللهُ قتلى تتابعوا *** بؤتةَ، منهمْ ذو الجناحينِ جعفرُ
وزيدٌ، وعبدُ اللهِ، حينَ تتابعوا *** جَميعاً، وأسبابُ المنيةِ تخطرُ
غداةَ غدوا بالمؤمنينَ يقودهمْ *** إلى الموتِ ميمونُ النقيبةِ أزهرُ
أغرُّ كلونِ البدرِ من آلِ هاشمٍ *** أبِيٌّ إذا سيمَ الظلامةَ مجسرُ
فطاعنَ حتّى ماتَ غيرَ موسدٍ *** بِمعتركٍ، فيهِ القنا يتكسرُ
فصارَ معَ المستشهدينَ ثوابهُ *** جنانٌ، وملتفُّ الحدائقِ، أخضرُ
وكنا نرى فِي جعفرٍ من محمدٍ *** وفاءً، وأمراً جازماً حينَ يأمرُ
فما زالَ فِي الإسلامِ منْ آلِ هاشمٍ *** دعائمُ عزٍّ لا ترامُ ومفخرُ
همُ جبلُ الإسلامِ، والنَّاسُ حولهُ *** رضامٌ إِلَى طودٍ يروقُ ويقهرُ
بِهمْ تكشفُ اللأواءُ فِي كلّ مأزقٍ *** عماسٍ، إذا ما ضاقَ بالقوم مصدرُ
همُ أولياءُ اللهِ أنزلَ حكمهُ *** عليهم، وفيهمْ ذا الكتابُ المطهرُ
بهاليلُ منهمْ جعفرٌ وابنُ أمهِ *** عليٌّ، ومنهمْ أحمدُ المتخيرُ
وحمزةُ، والعباسُ منهمْ، ومنهمُ *** عقيلٌ، وماءُ العودِ من حيثُ يعصرُ
_