بسم الله الرحمن الرحيم
هل يبدأ التكبير في ليلة الفطر أم في يوم الفطر؟
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله،
أما بعد؛ فهذا بحث مختصر عن وقت التكبير في عيد الفطر، هل يبدأ في ليلة الفطر أم في يوم الفطر؟
قال ابن رشد في بداية المجتهد (1/160): "واختلفوا في وقت التكبير في عيد الفطر بعد أن أجمع على استحبابه الجمهور لقوله تعالى: {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم}، فقال جمهور العلماء يكبر عند الغدو إلى الصلاة، وهو مذهب ابن عمر وجماعة من الصحابة والتابعين وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور
وقال قوم:
يكبر من ليلة الفطر إذا رأوا الهلال حتى يغدو إلى المصلى وحتى يخرج الإمام".اه
قلت:
وممن قال بالتكبير ليلة الفطر: الشافعي رحمه الله؛ فقال في الأم (1/264): " فإذا رأوا هلال شوال أحببت أن يكبر الناس جماعة , وفرادى في المسجد والأسواق , والطرق , والمنازل , ومسافرين , ومقيمين في كل حال , وأين كانوا , وأن يظهروا التكبير , ولا يزالون يكبرون حتى يغدوا إلى المصلى , وبعد الغدو حتى يخرج الإمام للصلاة ثم يدعوا التكبير".
وذهب ابن حزم إلى وجوب التكبير في ليلة الفطر دون اليوم فقال كما في المحلى (3/304): " والتكبير ليلة عيد الفطر: فرض, وهو في ليلة عيد الأضحى : حسن . قال تعالى وقد ذكر صوم
رمضان : {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم}. فبإكمال عدة صوم رمضان وجب التكبير , ويجزئ من ذلك تكبيرة . وأما ليلة الأضحى ويومه , ويوم الفطر : فلم يأت به أمر, لكن التكبير فعل خير وأجر".
قلت: وظاهر الأدلة المرفوعة تؤيد قول الجمهور، ومنها:
كان صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر فيكبر حتى يأتي المصلى، وحتى يقضي الصلاة، فإذا قضى الصلاة ؛ قطع التكبير.
(صححه العلامة الألباني رحمه الله في الصحيحة 171).
وأخرج البخاري في صحيحه (971) عن أم عطية قالت: كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد حتى نخرج البكر من خدرها حتى نخرج الحيض فيكن خلف الناس فيكبرن بتكبيرهم ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم أو طهرته.
قلت: وهذا يدل على أن المشهور من أمره صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يكبر يوم الفطر إذا خرج إلى المصلى، ولو كان من هديه صلى الله عليه وآله وسلم التكبير في ليلة الفطر لنقل إلينا.
وقد روي القولان عن ابن عمر:
ففي مسائل ابن هانئ لأحمد (1/94) قال: قلت: فترى أن يكبر من ساعة الإفطار من المغرب؟ قال: كان ابن عمر يكبر إذا صلى العشاء.
ولم أقف على رواية بهذا اللفظ عن ابن عمر إلا ما أخرجه البيهقي في الكبرى (3/278) عن ابن عمر أنه كان يكبر ليلة الفطر حتى يغدو إلى المصلى.
قال البيهقي: ذكر الليلة فيه غريب.
ثم قال: وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنبأ أبو بكر بن إسحاق الفقيه أنبأ أبو المثنى ثنا مسدد ثنا يحيى يعني بن سعيد القطان عن محمد بن عجلان حدثني نافع أن بن عمر كان يغدو إلى العيد من المسجد وكان يرفع صوته بالتكبير حتى يأتي المصلى ويكبر حتى يأتي الإمام.
ورواه بن إدريس عن ابن عجلان وقال يوم الفطر والأضحى، وهذا هو الصحيح موقوف.
قلت: وأخرجه مسدد في مسنده –كما في المطالب العالية (5/144)-، والحاكم (1/438)، والدارقطني (2/44).
فالمحفوظ عن ابن عمر التكبير يوم الفطر، وأما ذكر الليلة في رواية البيهقي فهي زيادة منكرة.
وقد روي عن ابن عباس أيضًا التكبير في ليلة الفطر لكن لا يصح عنه:
قال ابن جرير في تفسيره (2/157): حدثني يونس قال أخبرنا بن وهب قال قال بن زيد كان بن عباس يقول: حق على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبروا الله حتى يفرغوا من عيدهم لأن الله تعالى ذكره يقول ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم قال بن زيد ينبغي لهم إذا غدوا إلى المصلى كبروا فإذا جلسوا كبروا فإذا جاء الإمام صمتوا فإذا كبر الإمام كبروا ولا يكبرون إذا جاءالإمام إلا بتكبيره حتى إذا فرغ وانقضت الصلاة فقد انقضى العيد.
قال يونس قال بن وهب قال عبد الرحمن بن زيد والجماعة عندنا على أن يغدوا بالتكبير إلى المصلى.
قلت: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف.
وقال ابن جرير أيضًا: حدثني المثنى قال ثنا سويد بن نصر قال أخبرنا بن المبارك عن داود بن قيس قال سمعت زيد بن أسلم يقول ولتكبروا الله على ما هداكم قال إذا رأى الهلال فالتكبير من حين يرى الهلال حتى ينصرف الإمام في الطريق والمسجد إلا أنه إذا حضر الإمام كف فلا يكبر إلا بتكبيره
حدثني المثنى قال ثنا سويد قال أخبرنا بن المبارك قال سمعت سفيان يقول ولتكبروا الله على ما هداكم قال بلغنا أنه التكبير يوم الفطر.
قلت: المثنى لا تعرف له ترجمة، لكن أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (1/344) قال: حدثنا أبي ثنا سهل بن عثمان ثنا ابن المبارك عن داود بن قيس عن زيد بن أسلم في قوله {ولتكبروا الله على ما هداكم} قال: التكبير يوم الفطر.
وهذا إسناد صحيح، وهو مقدَّم على رواية المثنى.
وقال الفاكهي في أخبار مكة (1703) حدثنا محمد بن أبي عمر قال ثنا سفيان في لقوله تعالى: {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم}
قال: نرجو أن يكون التكبير ليلة الفطر، وزعم المكيون أنهم رأوا مشايخهم يكبرون ليلة الفطر إلى خروج الإمام يوم العيد ويظهرون التكبير ويرونه سنة وهم على ذلك اليوم.
قلت: وهذا لا يكفي في إثبات مشروعية التكبير في ليلة العيد.
وفي المدونة (1/417):
" قلت : أرأيت إذا خرج الرجل في العيدين أيكبر من حين يخرج من بيته في يوم الأضحى ويوم الفطر ؟ قال : نعم ,
قلت : حتى متى يكبر ؟
قال : يكبر حتى يبلغ المصلى ويكبر في المصلى حتى يخرج الإمام , فإذا خرج الإمام قطع التكبير , قلت : وهذا قول مالك ؟
قال : نعم".
وقال النووي في المجموع (5/48): " وأما أول وقت تكبير عيد الفطر فهو إذا غربت الشمس ليلة العيد هذا مذهبنا ومذهب سعيد بن المسيب وأبي سلمة وعروة وزيد بن أسلم.
وقال جمهور العلماء:
لا يكبر ليلة العيد إنما يكبر عند الغدو إلى صلاة العيد , حكاه ابن المنذر عن أكثر العلماء قال : وبه أقول , قال : وبه قال علي بن أبي طالب وابن عمر وأبو أمامة وآخرون من الصحابة , وعبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن جبير والنخعي وأبو الزناد وعمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان وأبو بكر بن محمد والحكم وحماد ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور , وحكاه الأوزاعي عن الناس".
قلت: وظاهر ما نقله ابن هانئ عن الإمام أحمد يشعر بأنه يذهب إلى مشروعية التكبير في ليلة العيد على خلاف ما نقله عنه ابن رشد والنووي.
قال ابن مفلح في الفروع (2/146): " يسن التكبير ليلة الفطر ( ه م ) وإظهاره, نص عليه".
وفي كشاف القناع عن متن الإقناع (2/57): "( ويتأكد ) التكبير المطلق ( من ابتداء ليلتي العيدين ) أي غروب شمس ما قبلهما للآية وقياس الأضحى على الفطر . ( و ) يتأكد ( في الخروج إليهما ) أي إلى العيدين , لاتفاق الآثار عليه".
وقال المرداوي في الإنصاف (2/435): "لا يسن التكبير عقيب المكتوبات الثلاث في ليلة عيد الفطر, على الصحيح من المذهب".
قلت: ويعضد قول الجمهور أن المشروع هو الاحتفال بيوم الفطر لا ليلته، واليوم يبدأ من الفجر، والتكبير إنما شرع في يوم العيد.
والله اعلم
وصلي الله وسلم علي نبينا محمد وعلي اله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
نقله لكم محبكم ... الغريب