ومازال المستشرقون في الخارج والعلمانيون واليساريون في الداخل يتطاولون بوقاحة على المقام الشريف والسنة المطهرة.. كيدا منهم لهذا الدين.. والله يحفظه – رغم أنوفهم – إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وهناك آخرون لا يعلمون بواعث تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم..
ومن يطالع السيرة العطرة سوف يكتشف بسهولة أن بعض هذه الزيجات كان في المقام الأول تلبية لدوافع إنسانية.. والبعض الآخر كان لتأليف القلوب.. وتطييب النفوس.. وتمهيد الأرض للدعوة المباركة بالمصاهرة وجبر الخاطر..
ثم هناك حقه الطبيعي صلى الله عليه وسلم في الزواج.. لأنه بشر.. وليس ملَكاً..
وقد أشرنا من قبل إلى أن الزواج هو شريعة كل أنبياء الله (حتى من لم يتزوج منهم مثل عيسى ويحيى عليهما السلام) وأنه لا يوجد نص في الأناجيل الأربعة يحظر تعدد الزوجات.
1. السيدة خديجة بنت خويلد:
بدأ بأول زوجات المصطفى صلى الله عليه وسلم.. وهى سيدتنا خديجة بنت خويلد – رضي الله عنها وأرضاها.. فقد تزوجت في الجاهلية من هند بن النباش التميمى وكنيته أبو هالة.. وبعد موته تزوجت عتيق بن عابد المخزومى.. ثم مات عنها عتيق.. وكانت من أرفع بيوت قريش وأوسطها نسبا وحسبا. وكان لها مال ترسل رجالا من قومها يتاجرون لها فيه.. ولما سمعت بأمانة محمد عليه السلام أرسلت إليه ليتاجر لها في مالها في رحلة الشام.. على أن تعطيه ضعف ما كانت تعطى غيره من الأجر.
ورحل صلى الله عليه وسلم بمالها مع غلامها ميسرة إلى الشام.. فباع واشترى وعاد إلى مكة بأضعاف ما كانت خديجة تربحه من قبل.. وأعطته السيدة خديجة ضعف الأجر المتفق عليه.. وحكى لها ميسرة ما كان من معجزاته عليه السلام خلال الرحلة: أظلته غمامة.. وأخبر أحد الرهبان ميسرة بأن رفيقه محمدا سيكون النبي الخاتم الموجود في كتب السابقين..
فازدادت إعجابا به.. وأرسلت إليه صديقتها نفيسة بنت أمية تعرض عليه الزواج من خديجة التي كان عمرها في ذلك الوقت أربعين سنة.. فوافق عليه السلام.. وكان عمره وقت أن تزوجها خمسا وعشرين سنة.
وولدت له السيدة خديجة كل أولاده وبناته باستثناء إبراهيم ولده من مارية القبطية (الجارية التي أهداها المقوقس إلى النبي..) ولم يتزوج صلى الله عليه وسلم أخرى حتى ماتت السيدة خديجة عن خمس وستين سنة.. بينما كان عليه السلام قد تخطى الخمسين سنة..
والآن نتساءل: إذا كان نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم قد عاش بلا زواج حتى سن الخامسة والعشرين.. ولم يكن أهل مكة يقولون عنه إلا كل الخير.. وكانوا يلقبونه بالصادق الأمين.. وكانت طهارته وعفته مضرب الأمثال.. باعتراف أعتى المشركين وأشدهم عداوة له وحقدا عليه..
وإذا كان تزوج بعد ذلك من السيدة خديجة وهى أكبر منه سنا بخمس عشرة سنة.. وظل مكتفيا بها زوجة وحيدة حتى بعد أن تجاوزت الستين.. فأين ما يزعمون من حبه للشهوات واستكثاره من النساء؟!!!
لقد كان عليه السلام في تلك الفترة في ريعان شبابه.. ولم يكن قد شغل بعد بأعباء الدعوة المباركة.. وتبعاتها الثقيلة.. ولو كان.. كما يزعم أعداء الإسلام.. من ذوى الشهوة الطاغية لتزوج من شاء من النساء.. وقد كان تعدد الزوجات والجواري شائعا قبل الإسلام.. كما ذكرنا – بلا قيد أو عدد محدد.. وما كان ذلك عيبا ولا محظورا.. فلماذا لم يفعل صلى الله عليه وسلم؟!!
أليس هذا دليلا على أنه صلى الله عليه وسلم قد عدد زوجاته فيما بعد لأسباب أخرى أسمى وأرفع قدرا من مجرد إشباع الشهوة.. رغم أن هذا الإشباع بالزواج ليس عيبا ولا شائنا للزوج؟!!
ثم هناك نقطة أخرى.. قبل أن ننتقل إلى باقي الزوجات.. لقد كان عليه السلام يذكر السيدة خديجة بكل الخير والوفاء بعد موتها.. وحتى بعد أن صار له تسع نسوة.. كان يغضب إذا أساء أحد إلى ذكراها العطرة.. ولو كانت عائشة أحب زوجاته إليه.. ويذكر عليه السلام.. في كل مناسبة.. معروف خديجة وفضلها عليه وعلى الدعوة الغراء.. ولم ينسها رغم أنها كانت عجوزا ورزق بعدها بزوجات أصغر سنا.. وربما أكثر جمالا..
هل مثل هذا الزوج يقال عنه إنه يضع الشهوة الجنسية في المقام الأول؟!!! هل يظن مثل هذا الظن المريض بمن وصفه رب العزة بأنه {على خلق عظيم}؟!!
***
2. السيدة سودة بنت زمعة
كانت متزوجة في الجاهلية بالسكران بن عمرو بن عبد شمس.. وهو ابن عمها.. وأسلما بمكة وخرجا مهاجرين إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية.. ثم قدما من الحبشة.. ومات السكران بمكة.. وترملت زوجته السيدة سودة.. فلما انقضت عدتها أرسل لها النبي صلى الله عليه وسلم فخطبها وتزوجها بمكة.. وهاجرت معه إلى المدينة.
وكانت.. رضي الله عنها.. قد كبرت سنها.. وبعد فترة من زواج الرسول صلى الله عليه وسلم بها تنازلت عن ليلتها للسيدة عائشة.. وقالت كما جاء في إحدى الروايات: يا رسول الله.. والله ما بي حب الرجال.. تقصد أنها مسنة وليست بها حاجة إلى الرجال.. ولكني أرجو أن أبعث في أزواجك يوم القيامة. وقبل منها النبي صلى الله عليه وسلم تنازلها للسيدة عائشة.. وأبقى عليها زوجة في عصمته حتى موته صلى الله عليه وسلم..
فهل يكون اقترانه.. صلى الله عليه و سلم.. بعجوز أخرى دليلا على ما يذهب إليه أعداء الله ورسوله من أن تعدد زوجاته صلى الله عليه وسلم كان للشهوة أو حب النساء؟!!! أو أنها مواساة منه.. عليه السلام.. لأرملة مسلمة لم يعد لها عائل بعد موت رجلها.. وليس لها مال أو شباب أو جمال يدفع غيره صلى الله عليه وسلم للزواج منها؟!!!
والله.. إن مثل هذه الزيجة التي لا يطمع فيها أحد لهي بعض أعبائه عليه السلام.. وواجب ثقيل ألزم به نفسه الشريفة النبيلة صلى الله عليه وسلم.
ومن سواه يواسى الأرملة المحزونة؟ من سواه يجبر المكسور.. ويفك الأسير.. ويعين على شدائد الدهر.. وهو الذي أرسله ربه رحمة للعالمين؟!!!
***
3. السيدة عائشة بنت الصديق أبى بكر
وأما السيدة عائشة بنت الصديق أبى بكر.. رضي الله عنهما.. فهي الزوجة الثالثة لنبي الهدى صلى الله عليه وسلم.. ومن الطبيعي أن يرتبط الداعية بالرجال الذين يقوم على أكتافهم البناء الشاهق.. وتنتشر الدعوة بهم.. ومن خلالهم إلى سائر إرجاء المعمورة.. وخير الروابط بين النبي وكبار أصحابه هو الرباط المقدس (الزواج).. ولهذا تزوج عليه السلام من السيدة عائشة.. وكانت صغيرة السن..
4. السيدة حفصة بنت عمر ابن الخطاب
كما تزوج أيضا لذات سبب زواجه من السيدة عائشة؛ السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب.. رضي الله عنهما.. وهناك سبب ثان لزواجه صلى الله عليه وسلم من السيدة حفصة.. فقد كانت متزوجة قبله من خنيس بن حذافة السهمي الذي أسلم معها وهاجر بها إلى المدينة فمات عنها (عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة أحد) متأثرا بإصابته في الغزوة.. وعندما انقضت عدتها عرض عمر على أبى بكر الصديق أن يزوجه ابنته حفصة.. فسكت أبو بكر.. مما أغضب عمر.. رضي الله عنهم أجمعين.. وكان عمر قد عرضها قبل ذلك على عثمان بن عفان فلم يوافق كذلك.. مما أسخط الفاروق عليه كما سخط على صاحبه.. فجاء عمر يشكوهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم..
وطيب صلى الله عليه وسلم خاطره وتزوجها تكريما لعمر.. كما كرم أبا بكر من قبل وتزوج بابنته عائشة.. وكان الباعث لأبى بكر على عدم قبول الزواج من حفصة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكرها لنفسه.. وما كان الصديق ليفشى سر رسول الله.. أو يتزوج بمن عزم صلى الله عليه وسلم على الزواج منها..
ومن المعروف أن السيدة حفصة.. رضي الله عنها.. لم تكن جميلة مثل عائشة أو صفية.. لكنها كانت صوامة قوامة تحب الله ورسوله
فهل يكون الزواج في حالة السيدة عائشة والسيدة حفصة استكثارا من النساء.. أو جريا وراء الشهوات؟!!! أم هي ضرورات الدعوة.. وجبر الخاطر.. وتوكيد الروابط بين المصطفى صلى الله عليه وسلم وكبار رجال الدعوة الوليدة والرأفة بزوجة شهيد.. مثل حفصة.. لم يكن لها من الجمال أو المال ما يغرى غيره عليه السلام بالزواج منها؟!!!
إنه الرحمة المهداة.. والنعمة المسداة.. صلى الله عليه و سلم..
6.السيدة أم سلمة:
وكذلك جاء زواجه صلى الله عليه وسلم من السيدة أم سلمة.. رضي الله عنها.. واسمها (هند بنت سهيل) بن المغيرة المخزومى.. وقد أصيب.. رضي الله عنه.. يوم أحد.. ثم برئ الجرح بعدها بشهر.. وخرج.. رضي الله عنه.. في (سرية قطن) ثم رجع منها بعد شهر آخر.. وانتقض الجرح عليه فتسبب في استشهاده.. رضي الله عنه.. وخلف وراءه السيدة أم سلمة وكثرة من الأطفال..
فلما انقضت عدتها أرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم يخطبها.. فاعتذرت بأنها تقدمت في السن.. وأنها ذات أطفال.. وأنها شديدة الغيرة.. فرد عليه البشير النذير: (أما ما ذكرت من غيرتك فيذهبها الله.. وأما ما ذكرت من سنك فأنا أكبر منك سنا.. وأما ما ذكرت من أيتامك فعلى الله وعلى رسوله). [أي أن عيالها سوف يرعاهم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم].. وهذا أهم أهداف هذه الزيجة المباركة.. أي كفالة هؤلاء الأيتام.. فضلا عن رعاية الصحابية الجليلة بعد أن أصبحت أرملة..
وأخيرا جاءت هذه الزيجة تكريما للزوج أبى سلمة نفسه بعه استشهاده.. برعاية أرملته وأطفاله.. وصلة لرحمه.. فهو ابن عمة الرسول صلى الله عليه وسلم.. فأين اتباع الشهوة في مثل هذا الارتباط بأرملة تجاوزت الخمسين وذات أطفال؟!!!
وأما زواجه صلى الله عليه وسلم بالسيدة أم حبيبة أرملة بنت أبى سفيان بن حرب.. رضي الله عنها.. فله قصة توضح الهدف منه.. والمقصد النبيل الذي تحقق به.. فقد كانت أم حبيبة زوجة لعبيد الله بن جحش بن خزيمة.. وهاجرت معه إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية.. وهناك فتن عبيد الله وارتد عن الإسلام.. والعياذ بالله.. وثبتت السيدة أم حبيبة.. رضي الله عنها.. على دينها رغم الغربة والوحشة والوحدة.. ولم تكن تستطيع الرجوع إلى مكة حيث كان أبوها أبو سفيان أحد زعماء قريش يضطهد الرسول وأصحابه أشد الاضطهاد.. فلو رجعت أم حبيبة لتعرضت للفتنة في دينها بدورها.. وكان لا بد من تكريمها وتعويضها عن الزوج الذي ارتد.. ثم مات بالحبشة..
وهكذا أرسل جابر المكسورين.. ومؤنس المتوحشين إلى النجاشي ملك الحبشة.. وكان قد أسلم.. طالبا منه أن يعقد له على أم حبيبة.. وبالفعل زوجه النجاشي إياها.. وأرسلها إليه بالمدينة بعد هجرته صلى الله عليه وسلم معززة مكرمة..
ولما بلغ أبا سفيان خبر زواج النبي صلى الله عليه وسلم من ابنته أم حبيبة شعر بالسعادة.. وقال عن زوج ابنته مبتهجا.. والذي كان ما يزال عدوا له ولدينه: (هو الفحل لا يقرع أنفه).. أي أن مثل النبي صلى الله عليه وسلم لا يرد صهره.. فهو كفء كريم تفخر كل قبيلة بمصاهرته وتزويجه بناتها.
قال أبو سفيان بن حرب ذلك على الرغم من أنه كان ما يزال مشركا عدوا للإسلام.. ولكنه لا يخدع نفسه كأب تزوجت ابنته بأعظم وأشرف الرجال..
وشاء الله جلت قدرته أن تدور الأيام.. ويأتي أبو سفيان إلى المدينة محاولا إثناء النبي صلى الله عليه وسلم عن غزو مكة بعد أن نقض المشركين عهودهم معه.. واعتدوا على حلفائه من قبيلة خزاعة.. وقتلوهم في البلد الحرام في الشهر الحرام.
ولم يجد أبو سفيان ملجأ بعد أن رفض كبار الصحابة التوسط له عند النبي صلى الله عليه وسلم سوى بيت ابنته وفوجئ أبو سفيان بابنته تطوى عنه الفراش في ضيق واشمئزاز.. فسألها: والله يا بنية ما أدرى هل رغبت بالفراش عنى أم رغبت بي عنه؟!!! فردت عليه بحسم: (بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت رجل مشرك)..
يا الله.. إنها العقيدة الراسخة كالجبال في قلب زوجة المصطفى صلى الله عليه وسلم.. تواجه بها أباها الذي خرجت من صلبه.. وذلك هو الإيمان الحق الذي يجعل الله ورسوله أحب إلى المسلم الصادق من أمه وأبيه وابنه وأخيه.
هل كان من المطلوب من الرسول أن يترك مثل هذه السيدة العظيمة للضياع بين زوج مرتد وأب كان كافراً؟!!! ومن سواه صلى الله عليه وسلم أولى بأن يكرم مثواها.. ويجزيها على ثباتها وصبرها وجهادها في سبيل عقيدتها ورسالتها؟!!! ومن يكون مناسبا لابنة سيد قريش سوى سيد الأولين والآخرين؟!!!