في العقود الأخيرة شهد العمل الإسلامي نوعا من الاهتمام الشعبي المكثف لدعم الجهود الموجهة لعمليات الإصلاح وجهود الدعوة الإسلامية.
وقد كان من ثمار تلك الجهود المكثفة رغبة حقيقية في دعم الأنشطة الإسلامية على تنوعها من فئة الأثرياء، بل وحتى من عامة الناس الذين لديهم رصيدهم الهائل من الحب الكبير والاعتزاز بالانتماء لهذا الدين.
وقد كان للشريط الخيري والكتاب الخيري النصيب الجيد من ذلك الدعم والذي ترجم على شكل أموال تدفع عن طيب خاطر لدعم ما سمي لاحقا بالشريط الخيري ، والذي يوزع وما يزال بكميات كبيرة جدا على عامة الناس طمعا في الثواب ، ورجاء في توثيق علاقة المسلمين بالإسلام.
ثمة ملاحظات عدة على الجهود التي تم توظيفها في هذا الإطار ، وعلى نوعية المواد المسجلة على الأشرطة الكاسيت التي توزع عادة كهدايا مجانية طمعا في الأجر والثواب.
أغلب الموضوعات التي تحتويها الأشرطة الخيرية هي موضوعات تركز على الرقائق ، وعلى الإيمانيات بالمعنى المباشر للكلمة حيث الحديث عن أحوال الساعة مثلا وأركان الإسلام وشيء من العقائد ، والموضوعات الأخلاقية كالصدق والأمانة وسائر مكونات الأخلاق التي حث عليها الشارع ،وترجمها نبي الأمة عليه الصلاة والسلام إلى منهج وعمل.
الحديث عن أشراط الساعة ، وعذاب القبر والجنة والنار ونهايات العصاة وأحوال الظالمين ، وكثير من القصص المروعة لمن شغلتهم الملذات عن الاستعداد للآخرة.
وعلى هذه الموضوعات دارت وما زالت تدور أغلب الأشرطة الخيرية إن لم يكن جميعها.
والسؤال الكبير:
هل استوعبت الأشرطة الخيرية مقاصد الإسلام ، ومعانيه الكبرى في تطوير عقل المسلم ، وبناء مناعته الفكرية على نحو تساعده فيها ليكون السابق لا المسبوق ، والرائد الذي لا يكذب أهله ، والمعلم للبشرية بفكره الحضاري وقوة علمه وقدرته على قراءة واقعه وتحديد موقعه من عمليات الإصلاح ومن جهود البناء ؟!!
ما الذي غاب عن الشريط الخيري وما نوع الموضوعات التي تم إسقاطها دون وعي وإدراك من فئة كبيرة ممن يشتغلون بهذا النوع من الأعمال المقدمة للجماهير؟!!
وهل إذا عرف المسلم أشراط الساعة التي هو سلفا مؤمن بها ، وموقن بحدوثها لامحالة سوف يتغير وجه الحياة التي تحيط به إن لم يتبع إيمانه بالساعة وعذاب القبر عمل ناضج، وفعل كريم ، وسلوك رصين يدل على احترام كامل للذات وللمسؤوليات العظمى التي ألقيت على كاهله وهو الذي اختاره الله خليفة له في الأرض؟
ماذا عن أولئك الذين يتلقفون مثل هذه الموضوعات المكررة بل ويصرون على تفضيلها على أي نشاط إسلامي آخر ، وهم في سبات كامل ونوم عميق عن تفعيل ذواتهم ، وتوظيف طاقاتهم للمساعدة على النهوض بالأمة؟!!
ماذا عمن يكنز المئات من هذه الأشرطة ثم هو جاهل عن إتقان أبسط الأعمال المكلف بها، وغافل عن تطوير حياته الفكرية والاجتماعية ، بل وإصلاح حاله ونفسيته ونظرته للحياة والأحياء من حوله ؟!!
ماذا بعد إدمان الإصغاء لقصص عن نهايات الغافلين ، وأحوال السكارى واللاهين ؟
ألم يعتقد نفر كبير من المستمعين ، بل والمدمنين لهذه المواعظ بأنهم قد أحسنوا الفعل والقول معا حينما صار نصيبهم من الدين المراوحة في المكان وإدمان الإصغاء للمواعظ التي وزعت بالمجان ، ووصلتهم دون تعب ، ثم هم لا هم لهم بعد ذلك إلا العيش الهانئ بعيدا عن الشعور بأي تقصير تجاه الأمة وواجباتها الثقيلة؟!!
ماذا عن مساحات الجهل الكبيرة بكيفية تفعيل الذات وامتلاك الأدوات الصحيحة التي بها يقدم المسلم علمه بأفضل صورة ممكنة فتتحقق النقلة النوعية التي نحتاجها في كافة أوجه النشاط المهني والتعليمي وسائر مجالات الحياة الأخرى؟
أين هو الشريط الخيري عن هذه الموضوعات الحيوية ، والفائقة الأهمية ؟
أين هو الشريط الخيري الذي يعلم المعلمين بأفضل أساليب التدريس وأفضل الطرق لصياغة عقل إيجابي قادر على الابتكار والتجديد؟!!
أين هو الشريط الخيري الذي يرفع من مستوى أداء الإدارات المدرسية ويعرفها بكيفية توظيف الوسائل لخدمة الأهداف التعليمية؟
أين هو الشريط الخيري الذي يساهم في رفع وعي الطلبة والطالبات بذواتهم وبمسؤولياتهم المختلفة؟
ثم أين هي الشركات المتخصصة في مجال التعليم التي تمد جسورها مع شركات إنتاج الشريط الخيري وتعرض بضاعتها الجيدة عليهم؟
أين هي المراكز المتخصصة بقضايا الشباب لكي تستثمر جزءا من أموال الشريط الخيري في إنتاج برامج سمعية ولاحقا مرئية لخدمة أهداف تكوين شباب صالح ينفع نفسه وأمته؟!!
أين هم المثقفون الذين لديهم الإمكانيات العلمية المناسبة واللغة الميسرة والراقية ليسجلوا بصمتهم في مضمار الشريط الخيري؟
أين هي الأشرطة الخيرية الداعمة لجهود وزارات التربية والتعليم التي تثري المنهج المدرسي ، أو تسجل إضافة حقيقية لنوع التغذية العلمية المقدمة لأبنائنا وبناتنا من الطالبة والطالبات؟!!
مساحات من الفراغ المعرفي الهائل كان يمكن للشريط الخيري أن يعمل على ملئها بحكمة واقتدار!!
مساحات بكر لم تطرقها بعد شركات الإنتاج السمعي كان يمكن للشريط الخيري أن يكون فيها رائدا فتتضاعف بذلك الأرباح وتنشط الحركة العلمية ويجد المتميزون من أبناء الأمة فرصتهم الواعدة في رفد مسيرة الإصلاح في مجتمعاتنا العربية المسلمة؟
لقد قبل القائمون على الشريط الخيري لأنفسهم من النجاح بالحظ البسيط وشرعوا يكررون أعمالهم المقدمة واختياراتهم من الموضوعات التي تطرق على بعض الأوتار في ذهن المستمع تاركة مساحات شاسعة ودروبا خالية كان يمكن ملؤها بالعمل المحكم ، وبالجهد اللافت وبالدفع للأمام بالذهنية العربية التي مع الأسف تحول قطاع منها لمستمعين يستعذبون الكلام في مسائل من الدين ، ثم هم لايعرفون كيف يوظفوا تلك الثوابت والأسس التي تلقوها في عالم الواقع وفي دنيا الشهادة؟!!
لا يخفى على القارئ الكريم أن مثل هذا النوع من التوظيف لأموال الشريط الخيري ترتب عليها نتائج جمة إذ توقف الزمن لدى كثيرين وباتوا يقاومون فكرة أن تكون الأعمال العلمية ، والتي تحمل أسماء لم تألفها آذانهم التي اختزلت الإسلام في إطار معين ، أقول هذه الفئة وهي كبيرة العدد ظنت ، وأتبعت الظن بالعمل في التقليل من شأن تنويع الموضوعات عاطفية الطابع ، وإشراك موضوعات تتناول جوانب مدرسية أو تربوية يقدمها مختصون في تلك المجالات ، وليس مشايخ باتت فئة منهم سامحها الله تخوض في كل موضوع وكأن دراسة العلم الشرعي وحده سوف تكفل سد احتياجات حياتنا ، وتعقيداتها وتضمن الوصول بنا إلى مواقع الريادة الحضارية ؟!!
إن الذي كنا ننتظره من القائمين على الشريط الخيري هو حركة واعدة لتثقيف المجتمع، وسد احتياجاته المعرفية وما أكثرها .
واليوم بل اللحظة الراهنة تستدعي أن يسخر المال لصناعة واقع علمي يساهم في إثراء حياتنا الفكرية ، ويدعم الجهود العلمية الجادة مهما كانت فردية ، أو ذات إطار مؤسسي محدود . المطلوب صحوة علمية تواكب الصحوة الإيمانية التي لا شك أننا نتلمس آثارها في جوانب مختلفة من حياتنا.
الصحوة العلمية وشروط ومقومات بناء مجتمعات تتصالح مع قيم التعلم المستمر وتنهض بواجباتها مستثمرة الزمن في صالح الأهداف الكبرى قضية بالغة الخطورة وبها كثير من التفاصيل وننتظر من القائمين على الشريط الخيري أن يكون لهم نصيب في هذا الهدف الحيوي الكبير.
بقلم : مريم عبدالله النعيمي
كاتبة وباحثة إماراتية